الموسيقى العربيّة بين سياسة التلقين وإفلاس المتلقّي

بشّار يوسف

حين نفكر في الكتابة عن الموسيقى العربيّة في إطارها العام، مضمنين بذلك الأغنية العربيّة، السائدة الآن، نجد صعوبةً بالغةً في الفصل بين ما يتّصل بهذا الموضوع من تعقيدات ومشاكل وأسباب، اجتماعيّة كانت أم سياسيّة، وهذا ما قد يفسّر الاسترسال في شرح بعض الأفكار، وفرار بعضها الآخر من بين السطور.

العقبة الأولى التي تواجهك في دراسة هذا الموضوع هي صعوبة تغليط ملايين الناس، لذا فإن الجزم بسخف التذوّق الجمالي للأغنية العربية السائدة، دون الرجوع للأسباب العميقة لذلك، سيكون ابتذالاً. حين تأخذ أغنية ما حيّزاً كبيراً من الاهتمام في الإذاعات وحياة الناس اليوميّة، فإن ذلك يتطلّب نظرة أعمق. لا يجوز لنا أن نقف على أحد النقيضين وننظر إلى الآخر، وإنما نحتاج إلى تفهّم أشمل لا يأتينا إلا من خلال الابتعاد عن المقاييس الجامدة لجماليّة الكلمة أو اللحن ونوعيّتها.

والعقبة الثانية تكمن في المفهوم السائد للالتزام في الأغنية، والذي يرتبط لدى الكثيرين، حتى الموسيقيين منهم، بالأغاني السياسيّة والوطنيّة، وفي أحسن الحالات يمتدّ مفهوم الالتزام ليضمّ القصائد والموشحات. هذا التعريف للالتزام قاصرٌ بلا شكّ، فالالتزام كائنً في اللحن أكثر من الكلمة، وهو مطلوبٌ في أداء المغنّي والفرقة الموسيقيّة، وفي مكان العرض، وفي أساليب نشر الأغنية وتوزيعها، ولا يمكن الفصل بين أيٍّ مما سبق أبداً.

لا شكّ أنّ التعقيد، المبالغ فيه أحياناً، في المجتمع المعاصر، وتحوّل العمليات العقليّة والأحاسيس البشريّة إلى عمليات آليّة وروتينيّة نتيجةً لحلول الآلات محلّ العمل اليدويّ والعقليّ، صعّب ظهور، أو لنقل اكتشاف الإبداع الحقيقيّ، وتشجيع ظهور أنماط موسيقيّة جديدة لم تكن معروفةً من قبل، معتمدةً بشكلٍ كلّيّ على الآلات الالكترونيّة والمعالَجات الفنيّة بوساطة برامج تقنيّة متخصّصة، كالراب والميتال، وهي تبدو في شكلها معبّرة عمّا وصل إليه العالم. وهذه الأنماط الجديدة في الغناء، ونقول الغناء تجاوزاً، انتشرت بشكلٍ كبير في نهايات القرن الماضي في أوروبا وأمريكا بشكلٍ خاصّ، واليوم، بات من الطبيعي أن تسمع الراب العربي أو الكردي أو حتى الفارسي والهندي. ويعود هذا الانتشار في الغالب إلى سهولة كتابة هذه الأغاني وتسويقها، مدعومةً بكليباتٍ أقرب ما تكون إلى استعراضاتٍ في نوادي التعرّي. لكن هذا لا ينفي وجود نماذج قيّمة منها، كما أنّنا لا نستطيع إنكار وجودها لاسيّما وأنّها قد لاقت كلّ هذا القبول في العالم ككل.

كل هذا ألا يستحق نقاشا متأنيا من أجل الخروج من دائرة ردود الفعل إلى العمل المنطقي الذي يستند إلى الأسباب والنتائج؟

أضف تعليق


كود امني
تحديث