محمد محسن الملحن الذي طغت هويته العربية على هويته السورية

عزيزة السبيني ‏

لم أكن أعرف أن أغنية «مظلومة يا ناس» التي تشدو بها المطربة سعاد محمد، هي من ألحان الفنان السوري محمد محسن ربما لأن الإعلام يسلط الضوء بشكل أو بآخر على الفنان المطرب أكثر من الفنان الملحن.

هذه الأغنية التي أرددها من وقت لآخر، أتأمل في كلماتها ولحنها، ولم أسأل نفسي في أي يوم من صاحب هذا اللحن العذب الذي يعبر بصدق عما تعانيه المرأة في مجتمعنا؟ ‏

إنه صاحب هذا اللحن الجميل. وألحان أخرى ملأت الساحة الغنائية العربية. أغانٍ رائعة أطربت الملايين، تخطى الحدود الإقليمية منذ بداياته، فسرعان ما انطلقت ألحانه في أرجاء الوطن العربي. ‏فطغت هويته العربية على هويته السورية، واستطاع خلال فترة وجيزة أن يفرض نفسه ملحناً عربياً، وأن يحتل مكانه بين الملحنين العرب الكبار.

بدأ محمد محسن حياته الفنية مطرباً في إذاعة دمشق منذ افتتاحها عام 1947.  وكان معجباً بالفنان مصطفى هلال الذي لعب دوراً تثقيفياً كبيراً في حياته.  وتتلمذ على يد صبحي سعيد الذي كان رفيق شكري واحداً من تلامذته، وعمل معه في الإذاعة ضمن الفرقة الموسيقية التابعة له، ومغنياً لأغان قديمة، ولحن له خمس أغنيات منها "نشوة لقاء" لينطلق بعدها إلى التلحين فلحن لنفسه 29 أغنية ليتوقف بعدها عن الغناء معترفاً بأن صوته غير قادر على منافسة الأصوات الموجودة في تلك الفترة على الساحة المحلية والعربية.  واستمر بعدها منطلقاً في تيار التلحين في الأربعينيات من القرن الماضي.

وجهت له دعوة من إذاعة القدس لتسجيل بعض أغانيه، وهناك تتلمذ على يد «حنا الخالد» فأخذ عنه علومه الموسيقية، وفي هذه الفترة بدأ بالتلحين لغيره، فكانت أولى ألحانه للفنان جميل العاص "زفت العروسة".  سافر بعدها إلى بيروت وهناك التقى بالفنانة الصاعدة آنذاك وردة الجزائرية فلحن لها أولى أغنياتها "على باب حارتنا، دق الحبيب دقة".  وكان أيضاً على موعد مع الفنانة صباح التي غنت من ألحانه "سلم سلم على الحبايب، ولله يا محسنين". ‏

في عام 1960 كان في لبنان نجمة لبنانية صاعدة تبحث عن مكان لها في الساحة الفنية تدعى سعاد محمد والتي كانت قد بدأت بغناء الموشحات في إذاعة دمشق فاستمع لها ووصفها بأنها أجمل صوت نسائي كان قد سمعه فلحن لها أغنية "مظلومة ياناس" التي اكتسبت شهرة واسعة ولا تزال، وكذلك لحن لها أغنية "جلوّنا الفاتحين" التي غنتها في احتفال رسمي أقيم بمناسبة عيد الجلاء وبلغ عدد الألحان التي قدمها للفنانة الكبيرة سعاد محمد 17 لحناً. ‏

تنوعت ألحان محمد محسن ما بين الطرب والشعبي والطقطوقة فلحن للفنانة سميرة توفيق 14 أغنية وكذلك 14 أغنية لنازك. ‏

كما يعتبر الفنان محمد محسن نواة لصوت لا يزال يشدو إلى الآن وهي الفنانة نجاة الصغيرة التي قدم لها "ياعيني على الألم" و"نسيت كيف نسيت". ‏

لحن محمد محسن ما يزيد على ألف لحن وهو أحد الملحنين الكبار الذين لحنوا لفيروز من خارج مدرسة الرحابنة فغنت من ألحانه "سيد الهوى قمري" و"جاءت معذبتي" و"لي فؤاد لو تعلمين" و"أحب من الأسماء ما شابه اسمها". ‏

وكذلك هو أول من لحن للمطربة فايزة أحمد في بداياتها الفنية من ألحانه "ليش دخلك" و"درب الهوى" والأغنية الدينية "يا رب صلي". ‏

هذا بالإضافة إلى ألحان لا تحصى لعدد من المطربين العرب والسوريين منهم فدوى محسن، فهد بلان، مها الجابري، صباح فخري، موفق بهجت، والمطرب الكبير محمد عبد المطلب، والفنان محمد قنديل وكذلك الفنان محمد عبده الذي التقاه في بيروت ولحن له "خاصمت عيني من سنين" وهي مأخوذة عن كلمات للزمخشري. ‏

كرمت نقابة الفنانين الفنان الراحل محمد محسن في مهرجان الأغنية السورية العاشر. ‏

رحل محمد محسن عن عمر يناهز الثامنة والثمانين بعد رحلة طويلة من العطاء الفني والإنساني أثرى من خلالها المكتبة الموسيقية العربية بألحانه الكثيرة والمتميزة استطاع من خلالها إثبات وجوده الفني في ظل وجود عدد كبير من كبار الملحنين العرب. ‏

المصدر: جريدة تشرين السورية