جميل محمود .. حارس التراث الغنائي السعودي المنسي في الغناء العربي

زياد عساف

 “مدير مرور“ واحدة من المهمات التي أوكلت إلى جميل محمود بحكم خلفيته العسكرية، وبالرغم من إبداعه في هذا المجال وتنظيمه الدقيق للطرقات التي تزدحم بالمركبات وقت الذروة، إلا أنه لم يستطع أن يقاوم الأفكار التي تزدحم برأسه وتأخذه إلى عوالم الموسيقى والغناء.  وتتغير الأحوال ويدخل عالم الأنغام كمحترف ويتحفنا من ألحانه بمئات الأغنيات، منها ما تغنى بها بصوته وأخرى عرفناها بأصوات عربية ومحلية، ومع هذه الإنجازات لم يعد يستوقف الكثيرين اسم جميل محمود الفنان العربي السعودي مبدع هذه الأعمال وصاحب الإنجازات والنشاطات المتعددة، أهمها أنه استطاع أن ينطلق بالتراث الغنائي السعودي من نطاقه المحلي إلى الأفق العربي الرحب.

 

بابا طاهر

القاسم المشترك بين العديد من الموسيقيين والمطربين العرب أنهم تتلمذوا في بداياتهم على أيدي رجال من شيوخ الكتَّاب، أما جميل محمود فاختلف الأمر بالنسبة له، فقد تعلم اللغة والقرآن في البداية بإشراف سيدات من أصحاب الكتاتيب مثل صبرية وحمصانية، وأكمل تعليمه في مسجد سيدي حمزة بحي المسفلة على يد الشيخ سيد حمود في مكة التي ولد فيها عام 1940.

بدأ مرحلة الدراسة الابتدائية بالمدرسة العزيزية وعمره خمس سنوات، وأهَّلهُ جمال صوته لأن يكون مقرئ المدرسة وينال إثر ذلك المديح والثناء، تعرف عليه الأديب والإعلامي طاهر زمخشري ومنحه الفرصة ومجموعة من زملائه الأطفال في البرنامج الإذاعي “بابا طاهر“ الذي يحمل اسمه ليقدموا مجموعة من الأناشيد.  درس بعد ذلك بمدرسة تحضير البعثات والتي أصبح اسمها في ما بعد “العزيزية الثانوية“، إلى مصر كانت وجهته التالية للالتحاق بكلية الشرطة العسكرية وتخرج منها عام 1957 برتبة ملازم ثانٍ، واصل تحصيله العلمي وسافر في بعثة للدراسة بأكاديمية الشرطة في الولايات المتحدة الأميركية وحصل أثناءها على عدة دبلومات في الرماية ومكافحة الشغب والقيادة والإشراف، ليعود أدراجه مرة أخرى إلى مصر ويلتحق بمعهد الضباط القادة، وكان تحت اسم “معهد الدراسات العليا“ وتخرج بدرجة تعادل الماجستير.  وكان من الطبيعي أن يحصره هذا التخصص في مجالات أبعد ما تكون عن الفنون والغناء، فتواجد في مراكز عديدة في هذا المجال ملتحقاً بالأمن العام وأقسام الشرطة والحقوق المدنية والتحقيقات الجنائية، ثم عُيِّن وكما ذكرنا في المقدمة مديراً للمرور في مجموعة من المدن السعودية منها الرياض والمدينة المنورة والمنطقة الشرقية ومساعد شرطة في مدينة الرياض.

 

نهاية الخدمة ..

على عكس الكثيرين لم تكن نهاية الخدمة وتوديعه للزي العسكري عام 1980 بداية للانزواء واعتزال الحياة، وإنما انتهز الفرصة ليتفرغ للموسيقى والغناء، وعاد ينمي هذه الموهبة التي برزت ملامحها منذ الطفولة كدأبه على الاستماع لأغاني سلامة حجازي وصالح عبد الحي ومحمد عبد الوهاب، ومساء كل يوم جمعة اعتاد أن يستمع لأغنية أم كلثوم ليغنيها كاملة للأصدقاء في اليوم التالي.  وأثناء دراسته في القاهرة استطاع أن يختلس بعض السويعات وكلما سنح الأمر فتعلم عزف العود على يد الفنان الفلسطيني محمد عليوة وتدرب على قراءة الموسيقى وتدوينها.

يعتبر جميل محمود أول فنان سعودي يظهر على شاشة تلفزيون في عام 1957 بحكم تواجده بالمنطقة الشرقية، وألح عليه الأصدقاء أن يسجل لتلفزيون أرامكو، وكان التسجيل آنذاك سينمائياً حيث تحمض الأشرطة في البداية ثم تعرض للجمهور.

 

حكاية سمراء

أول أغنية لحنها وكتب كلماتها في عام 1958 وأهداها لابنة أخته بمناسبة عيد ميلادها، «احترت أنا في الحب»  كانت البداية له في مجال تلحين الأغاني العاطفية.  ولكن تبقى المحطة الأهم في مسيرة جميل محمود تلحينه للقصيدة الشهيرة «سمراء».  بدأت فكرة تلحين هذه القصيدة عندما التقى بالشاعر يحيى توفيق بعد أن جمعتهما لقاءات عديدة في المنطقة الشرقية بمنزل حسن قناديللي وكيل الأمن العام اآنذاك.  لم يكن جميل يقتني سيارة حينها فكان يحيى توفيق يتطوع لإيصاله بسيارته إلى داره، وسأله يحيى ذات مرة عن إمكانية تلحينه للقصائد وكان رده بالإيجاب، اسمعه عندها أربعة أبيات من قصيدة سمراء من نظمه وتقول كلماتها:

               سمراء رقِّي للعليل الباكي           وترفقي بفتىً مناه رضاك

لم يستطع حينها أن يقاوم سحر الكلمات، فلحنها ما يقارب العشر مرات وكل لحن مختلف عن الاّخر، وقدمها بعد ذلك مع مجموعة أغنيات أخرى لعبد الله حبيب في شركة توزيعات الشرق، وأوصلوها بدورهم للفنانة هيام يونس وكان هذا أول تعاون بينهما دون أن يلتقيا، لتكون هذه فاتحة خير لهم وأدت لشهرة ثلاثتهم جميل محمود والمطربة هيام ويونس والشاعر يحيى توفيق.  بثت هذه الأغنية عام 1962 وأصبحت تردد على كل لسان وكانت تبث في الإذاعة الأردنية باستمرار.  وكان اللقاء المباشر بين جميل وهيام عندما سافر الأول للبنان عام 1964 والتقى بها للمرة الأولى، واستمر التعاون بينهما في مجموعة من الألحان مثل يا مسلمين بالعيون، لا تكلمني، كنتم وكنا، قصيدة أشواق، حلوة السعودية.  ويذكر أنه في رحلته إلى لبنان اصطحب معه مجموعة من الأعمال سجلها على آلة العود والإيقاع وسلمها لشركة الأسطوانات لتسجلها بدورها في اليونان.

 

مشكور

ما وصلنا من الحان جميل محمود يتجاوز 500 لحن تنوعت ما بين العاطفي والوطني والقصائد وأغاني الأفراح والأطفال ومجموعة من الأغاني الوصفية والحان كثيرة لا زالت في جعبته لم تر النور إلى الآن.  تغنى بألحانه أسماء معروفة من نجوم الغناء العرب ومنهم وديع الصافي:كعبة الإلهام، شريفة فاضل: راحة الحياة عذاب، رجاء بلمليح: أمل عطشان وانسى اللي راح، المطرب البحريني أحمد ياسين: دمعة مني وشكوى منك، عايدة بو خريص: قسوة الأيام ويا ساري والدمعة الحزينة، غادة رجب: ترى الهوى وليه يا يبا.

ومن السعودية غنى له عبادي الجوهر: سمار يا سمار واللي مو عالبال، ابتسام لطفي: هواك، طلال المداح: لم يكن إلا أباً لشعبه، عبد المجيد عبد الله: وفر عتابك، حسين قريش: كلام الناس.

غنى جميل محمود العديد من ألحانه ومن بينها يا اللي انت ناسينا، أغني لمين يا عيني، بنيت املي معاك، القلب في اّهات، فرق كبير، انسى اللي راح، لولا خوفي، سافر وروح، ترفق يا هوى، ساهي الجفون، تخبي عني الكلام، يا ويل عزولي، ليه خنتي العهد، حبيبي الورد فوق خدك، مظلوم بهجرك، يا قمر، تسأليني، حبي راح، تعال وارجع، الحب يا ناس، أغني لمين، ايه اللي جاك مني، عندي شهود، تطرا علي، دورت كتير، اندفاعي، لولا خوفي، الدنيا مظاهر، حبيبي الأسمر، اوعدني، من غير حبيب، قصيدة حطم جدار الصمت، يا وطني.

«مشكور» واحدة من أغنياته الجميلة والخفيفة التي تستوقف المستمع، وتقول كلماتها:

                        على العموم مشكور .. كل يوم تقول بكرا ..

             واليوم يمر شهور وانت لاتدري .. تسأل ولا تسأل لو مره للذكرى.

لم يقتصر عطاء جميل محمود على التلحين والغناء وإنما كتب أيضاً مجموعة من الأغاني قاربت الخمسين أغنية، بالإضافة لتعاونه مع مجموعة من الشعراء أمثال إبراهيم خفاجي ومحمد طلعت وعبد الرحمن حجازي وياسين سمكري والأمير بندر بن فيصل.

حاز جميل محمود العديد من الأوسمة والدروع ومنها ما يتعلق بصفته العسكرية مثل وسام الملك فيصل، وسام من ملك اسبانيا، وسام من رئيس جمهورية فنزويلا، وسام من رئيس جمهورية فرنسا، وحظي بأكثر من تكريم بصفته كفنان منها درع المفتاحة بأبها عام 2000، درع مهرجان الرواد العرب تحت رعاية جامعة الدول العربية في مصر، درع هرم الحجاز، درع من إدارة التعليم في مكة، درع من نادي الوحدة الثقافي الرياضي بمكة، تكريم منظمة الأمم المتحدة. قام المركز العالمي المصري للسلام وحقوق الإنسان بمنحه درجة الدكتوراة الفخرية وتم تعيينه سفيراً للسلام العالمي وحقوق الإنسان.

 

وتر وسمر ..

يعزو المعنيون أسباب تراجع الغناء العربي إلى العناصر الثلاثة: الكلمة واللحن والصوت، ويغيب عن أذهان الكثيرين عوامل هامة أخرى أغفلت، واحدة منها تنبهنا إليها تجربة جميل محمود، وهي غياب البرامج التلفزيونية والإذاعية التي تتعلق بالتراث الغنائي العربي وما كان لهذه البرامج من دور في إحياء الذائقة الفنية لدى المستمعين، يعي صاحب هذه الحلقة أهمية ذلك خاصة مع غياب المعاهد والكليات في السعودية المتخصصة في هذا المجال ووفاة الكثيرين من حفظة التراث، إلا أن البديل كان حاضراً لديه وقدم لمدة خمس سنوات برنامجه الشهير «وتر وسمر» وغايته إحياء تراث بلاده، بدأ تقديم هذا البرنامج على شاشة التلفزيون السعودي منذ عام 1982 واستضاف من خلاله أشهر الفنانين السعوديين والعرب، وفي الوقت نفسه اكتشف العديد من الموهوبين في مجال الغناء والتلحين وأصبحوا معروفين بعد ذلك، واستطاع بمجهوده وتشجيع المعنيين آنذاك الحفاظ على شيء من هذا التراث وبطريقة ذكية عندما أعلن أن كل من يريد أن يسجل ويشارك في هذا البرنامج عليه أن يأتي بأغنية تراثية ويعطيه بالمقابل أغنية أو أغنيتين، وإذا صدف وكان هناك خطأ في كلمات الأغنية يلجأ إلى الورشة التي أعدها لتصويب هذه الأغاني وتضم كبار الأساتذة أمثال إبراهيم خفاجي للدانات، وعبد الرحمن حجازي للزواميل، والأغاني الشعبية المكية لياسين السمكري، ولفت جميل الانتباه إلى أن بعض الأغاني التراثية التي أحضروها كان مصدرها أمهاتهم وجداتهم، وهذه الحقيقة أكدها الكثير من المعنيين بأن النساء مصدر هام لإبراز هذه الكنوز خاصة في ما يتعلق بأغاني الأفراح والأعراس، وكانت البروفات تُجرى في بيت جميل محمود ثم يذهب بعدها لتسجيل حلقتين لأسبوعين، إلا أن هذا البرنامج توقف في ما بعد دون إبداء الأسباب وعوَّض محمود ذلك بأن أقام في بيته صالوناً فنياً، خاصة أنه كما ذكر لا يوجد في مكة فرع لجمعية الثقافة والفنون، والجدير بالذكر أنه لا زال يواصل عطاءه ويرحب بكل فنان أو موهوب لزيارته والتعاون فيما بينهم، وما يغري لذلك انه لا زال يحتفظ بمئات الألحان الخاصة به لم تُسمع من قبل،  وهي تشكل فرصة لأي مطرب أو هاوِ لأن يحظى بهذه النوعية من ألحان أبدعها فنان من أبناء الطرب الأصيل.

 

«غواص في بحر النغم .. »

توجد تجارب كثيرة من نوعية « وتر وسمر» استمعنا لها وشاهدناها منذ زمن في العديد من المحطات الإذاعية و التلفزيونية، وحققت نجاحا وإقبالاً منقطع النظير وأوصلت الرسالة التي تهدف إليها، وأهم ما في الأمر أن من أعد وقدم هذه البرامج موسيقيون ومطربون ونقاد مبدعون ومتخصصون في الوقت نفسه، مما يؤكد أهمية هذه الأعمال وعودتها بالفائدة لشرائح عديدة من المهتمين سواء كانوا أكاديميين أو متذوقين للطرب الأصيل، من هذه البرامج الإذاعية « غواص في بحر النغم» الذي قدمه الفنان عمار الشريعي ولجأ إلى تحليل العديد من الأغنيات العربية الأصيلة بأسلوب بسيط  في إبراز جمالياتها، ومن سوريا قدم الدكتور سعد الله اّغا القلعة مجموعة من هذه البرامج ومنها «العرب والموسيقى» واستطاع من خلال هذه البرامج أن يوظف التكنولوجيا الحديثة والحاسوب في مجال البحث بالموسيقى العربية والتوثيق للعديد من الأعمال الغنائية العربية المتميزة.  وعرضت هذه البرامج في العديد من المحطات المحلية والفضائية العربية.  إذاعة البرنامح العام المصرية أتحفتنا أيضاً بالبرنامج الشهير «الحان زمان» تقديم هالة الحديدي وأعده وكتب مادته العلمية الموسيقي محمود كامل بعد أن وجد أن كبار الموسيقيين المصريين والعرب أصبحوا غير معروفين للأجيال الحالية، الفنانة رتيبة الحفني قدمت أيضاً البرنامج الشهير «الموسيقى العربية» والذي هدف إلى خلق ثقافة موسيقية لدى المتلقي وتوعيته بالمقامات الموسيقية ببساطة وسلاسة، ومن البحرين المطرب والفنان إبراهيم حبيب قدم البرنامج الإذاعي «طربيات» في إذاعة صوت الخليج في قطر، وركز بدوره أيضاً على إحياء الغناء القديم وتعريف الناس بأصول وقواعد الغناء والإنجازات الخاصة لكل ملحن ومطرب وشاعر.

 

المجلة الموسيقية

ومن الأردن الفنان مالك ماضي قدم البرنامج الإذاعي «المجلة الموسيقية» من إعداده وتقديمه يبحث من خلاله وبأسلوب شيق وممتع بالموسيقى العربية والموسيقى الغربية وتسليط الضوء على سيرة ومنجزات الموسيقيين والمطربين العرب وأعمالهم الفنية واستعادة روائع الأغاني العربية اللاتي من النادر إذاعتها لتصبح متاحة للجميع وللأجيال الحالية خاصة وهي الفئة التي لا يزال الفنان جميل محمود يراهن عليها ويؤكد بيقين الفنان ومن خلال لقاء تلفزيوني أجري معه، أن الشباب بدأوا يعاودون اللستماع للقديم والأصيل من الغناء العربي، ويستند على ذلك بأنه وأثناء مسيره اليومي يشاهد العديد من «السيديهات» لمطربين جدد ملقاة على الطريق، ولا يلاحظ هذه الظاهرة فيما يتعلق بمطربي الزمن الجميل أمثال محمد عبد الوهاب وأم كلثوم وعبد الحليم حافظ على سبيل المثال، مما يؤكد إدراكهم لأهميتها.  وعاد جميل محمود يبشر الشباب ويؤكد لهم بعودة برنامج «وتر وسمر» قريباً بعد طول انقطاع، ولأن السمر لا يحلو بدون الغناء والوتر، ها هو محمد محسن مطرب من جيل الشباب الذين راهن عليهم جميل محمود يتغنى بالوتر بهذه الكلمات المؤثرة:

«عمر الغنا ما بينتهي  

بنموت ويفضل حي

الحلم عمره ما ينقتل   

مهما يبعد جاي

والعشق ساكن معاني في ضربة وتر

في أغاني تملى الحي

لسه العيون فيها النظر

قادرة تشوف الضي

قمـر يضوِّي الطريــق الجـاي

والفكرة مالهاش نهاية

ولا بالحجر .. ولا بالرصاص الحي».

 

المصدر: جريدة الرأي