مؤسّسا موسيقى "الصوت" البحرينية: محمّد بن فارس وضاحي بن وليد

بقلمرولف كيليوس

أخصائي في موسيقى الشعوب واستشاري متاحف ومُنتِج إعلامي

يعتبر محمد بن فارس وضاحي بن وليد مؤسسي فنّ "الصوت"، وهو نوع موسيقي خليجي تقليدي حضري لا يزال يؤدّى في منطقة الخليج حتى يومنا هذا.

رغم أن موسيقى "الصوت" تتشابه كثيرًا في مختلف الدول الخليجية، فقد نشأ قالب خاص ضمن هذا النوع الذي ظهر في وقت مبكر في المناطق الحضرية ، في مملكة البحرين. وينوّه عالم الموسيقى أحمد حشلف في الملاحظات التي كتبها عام 1994 حول ألبوم: "مختارات من الموسيقى العربية: موسيقى البحرين"، بأساتذة أو معلّمي الموسيقى البحرينية الثلاثة الذين لا ينافسهم أحد، وهم محمّد بن فارس (1895-1947 أو 1948)، وضاحي بن وليد (1896 أو 1898-1941) وتلميذ محمّد بن فارس، وهو محمّد زويّد (1900-1982). ويعتبر الأخصائي في علم موسيقى الشعوب بول روفسينغ أولسن أنّ المغنيين وعازفي العود محمّد بن فارس وضاحي بن وليد، مؤسسا الأسلوب البحريني في فنّ "الصوت".

وترتبط حقيقة أن فن "الصوت" ظهر في البحرين (وقبل ذلك في الكويت) على الأرجح بحقيقة أن الموقع الجغرافي للبحرين جعلها عرضة لتأثيرات ثقافية مختلفة آتية من عدّة دول في منطقة الخليج وبقربها مثل الكويت وقطر، وبلاد فارس، وجنوب العراق (وخاصة البصرة)، والمملكة العربية السعودية، وسلطنة عمان، وكذلك لبلدان تقع في مناطق أبعد من ذلك، مثل اليمن والهند.

وتجدر الإشارة إلى التعاون الذي قام بين الفنانين البحرينيين والكويتيين في مجال موسيقى "الصوت" والأغاني المرتبطة بها منذ بدايات هذا الفنّ في الربع الأول من القرن العشرين. ومع ذلك، يمكن عزو أصل الأبيات الشعرية التي استوحيت منها ألحان أغاني فنّ "الصوت" إلى اليمن ومنطقة الحجاز غرب المملكة العربية السعودية. ورغم أنّ معظم المصادر تتّفق على أن الشاعر والملحن والمغني وعازف العود عبد الله الفرج (1836-1901 أو 1903) هو الذي أسّس فنّ "الصوت" بشكله الحاليّ، يعتبر ضاحي بن وليد ومحمّد بن فارس مساهمين أساسيين في بناء هذا النوع الموسيقي. فقد عملا بالحقيقة على تطوير هذا الفنّ ودفعه قدمًا إلى الأمام.

أسياد فنّ "الصوت" وموسيقاهم

تتألف موسيقى "الصوت" في الأساس من عنصرين موسيقيين متشابكين، وهما السلم الموسيقي وطريقة العزف على العود، اللذان يعود أصلهما إلى الموسيقى العربية الكلاسيكية، بينما نشأت الهياكل متعددة الإيقاعات وكلمات الأغاني عن التقاليد الموسيقية للمجتمعات الحضرية والبدوية ومجتمعات الصيد. تأثر محمد بن فارس وضاحي بن وليد بشدة بالأنواع الموسيقية السائدة في عصرهما، لكنهما أوجدا أسلوبًا خاصًا بهما يستند بوضوح إلى النماذج الموسيقية التقليدية في منطقة الخليج.

التأثيرات الشخصية والموسيقية

تأثّر محمد بن فارس بأنواع موسيقية منشأها خارج منطقة الخليج. إذ سافر إلى الهند في عشرينيات القرن الماضي حيث تعلم أصول الموسيقى الهندية، كما أقام في العراق وسوريا حيث تعلم العزف على آلة العود. وفي ثلاثينيات القرن الماضي، أمضى فترات طويلة في بومباي، حيث تتلمذ على يد أستاذه عبد الرحيم العسيري، الذي كان إمّا يمنيًّا أو سعوديًا. وبعد فترات طويلة من السفر والترحال، أقام محمد بن فارس واستقرّ في البحرين، حيث علّم ودرّب الكثير من الفنّانين، بمن فيهم ضاحي بن وليد ومحمّد زويّد اللذان يعدّان من أنجح وأشهر طلابه. وفي البحرين، قام محمد بن فارس بتطبيق المعرفة التي اكتسبها في الخارج على الأنواع الموسيقية التقليدية السائدة في عصره.

أمّا ضاحي بن وليد، الذي ولد في مدينة المحرّق في البحرين لأب سعودي من أصول شرق أفريقية، فقد خضع لتأثيرات مختلفة تمامًا على المستوى الموسيقي والشخصي. إّذ أنّ هذه العوامل تركت على الأرجح أثرها على موهبته الموسيقية في سنّ مبكّرة. وقبل بدئه بالعزف على العود، رافق ضاحي بن وليد محمد بن فارس بالعزف على آلة المرواس. وعمل أيضًا لفترة من الزمن كنهّام، وهو المغنّي المحترف الذي يغنّي المواويل الشجيّة على متن قوارب صيد اللؤلؤ. وبفضل موهبته وقدرته المتميّزة على حفظ كلمات الأغاني وألحانها، ومهاراته الخارقة في الأداء، تمكّن ضاحي بن وليد، في نهاية المطاف، من أن يصبح فنّانًا شهيرًا في منطقة الخليج.

وللأسف فإنّ شعبية ضاحي بن وليد المتزايدة وموهبته الموسيقية أدخلتاه في منافسة شرسة مع معلمه السابق محمّد بن فارس. فَوفقًا للحكايات الشعبية المتداولة، حدثت قطيعة بينهما لبضع سنوات، ولم يتصالحا إلا على هامش جلسات التسجيل التي عقدتها شركة جراموفون البريطانية لأسطوانات هيز ماستر فويس (His Master's Voice) في بدايات ثلاثينيات القرن الماضي في العاصمة العراقية بغداد.

ولاحقًا أصبحت موسيقى "الصوت" البحرينية التي أنشأها هذان المبتكران، بمساهمة من محمد زويّد، شعبيّة ومنتشرة في جميع أنحاء منطقة الخليج.

التسجيلات الموسيقية

ورغم أنّ الأسطوانات الأولى في منطقة الخليج تم تسجيلها في البحرين بعد الحرب العالمية الثانية، وفقًا للملاحظات التي دوّنها أحمد حشلف حول أحد الألبومات، فقد تمّ تسجيل أسطوانات ضاحي بن وليد ومحمّد بن فارس التي نوّهنا بها في هذه المقالة، بين عامي 1931 و 1932 على الأرجح في استوديوهات "هيز ماستر فويس" في بغداد. وبصرف النظر عن العدد القليل من الأسطوانات الكويتية التي تمّ تسجيلها سابقًا، تشكّل هذه الأسطوانات التسجيلات التجارية الأقدم عهدًا في منطقة الخليج.

ورغم اتصال وتأثّر محمّد بن فارس بثقافات موسيقية أخرى، وتحديدًا الثقافة الموسيقية الهندية، فقد لعب هذان الفنانان دورًا محوريًا في إنشاء نوع موسيقي فريد من نوعه يناسب منطقة الخليج تحديدًا، كما تحوّلا إلى مصدر إلهام للعديد من الفنّانين؛ (ف) إذ لا يزال الفنّانون إلى اليوم يغنّون لهما ويطلقان عليهما لقب الأساتذة أو المعلّمين في فنّ الموسيقى.