«الأغنية الفردية» هروب المطربين من مصيدة المنتجين

يبدو أن التوجه نحو الغناء الفردي (single) كبديل للألبومات أصبح موضة في الساحة الغنائية العربية، يسعى إليه العديد من المطربين والمطربات طمعا في استمرار تواجدهم على الساحة وهروبا من القراصنة الذين يسطون على أغنياتهم قبل نزلوها السوق، وهو ما اضطر هؤلاء المطربين إلى إنتاج أغنيات فردية بعد مشوار طويل من إنتاج الألبومات الغنائية عن طريق شركات الإنتاج التي احتكرت أصواتهم، وحققت مكاسب هائلة من ورائهم، فتنبه الفنانون، وقرروا أن يتجهوا إلى الأغنية المنفردة، حيث ادعى بعضهم أنها تنتج وتصور وتباع إلى القنوات ما يفعل ويجدد سوق الغناء، بينما رأى البعض الآخر أن هذا الأمر هو المنقذ الوحيد من الشروط الاحتكارية لشركات الإنتاج.

تفاصيل أكثر عبر السطور الآتية.

أمر «الأغنية الفردية» (single) لا يخلو من معوقات تحتاج إلى أعوام طويلة لحلها، فقد أكد المطرب محمد الحلو ركود سوق الغناء المصرية منذ ثلاثة أعوام؛ حيث فشل المنتجون في صد هجوم قراصنة الإنترنت الذين تسببوا في تسريب الألبومات، مما أدى إلى انهيار صناعة الأقراص المضغوطة (سي دي) والكاسيت.  إلا أن أزمة جديدة وقعت بين المطربين وشركات الإنتاج نتجت عن سعي كليهما للحصول على ربح مناسب على حساب الآخر، فوجد المطربون أن الخروج من هذه المشكلة لن يكون إلا من خلال الأغاني المنفردة التي تعوض جزءا من الخسائر المتتالية أو الخروج من عباءة المنتجين بأي طريقة، فأصبحت الأغنية المنفردة الحل المتاح لتجنب تكلفة الألبوم الكامل والذي لم يعد يحالفه انجاح منذ أعوام مهما كانت شعبية المطرب، لأسباب عدة أولها التعرض لسرقة الألبوم من المواقع الإلكترونية، أما السبب الثاني فهو رغبة المطربين في الإفلات من الخضوع لشروط شركات الإنتاج، وعدم الاستسلام للاحتكار؛ حتى يحافظ على استمراريته من خلال الأغنية المنفردة أو غناء مقدمة المسلسل الموسيقية. وعلى حد قول الحلو فإن المطرب يضطر إلى إنتاج الأغنية المنفردة على نفقته الخاصة، ويقوم بتوزيعها بنفسه على القنوات الفضائية والإذاعات الغنائية المختلفة متحملاً المصروفات الإنتاجية، لكنه لا يستطيع تحمل نفقات ألبوم كامل.

توخي الحذر...

تنصح المطربة دينا يوسف بتوخي الحذر عند خوض تجربة إنتاج الأغاني المنفردة، إلا إذا كان المطرب قادرا على تحمل التكاليف الباهظة للدعاية لنفسه، مدللة على ذلك بتجربتها الشخصية في هذا المجال عندما قدمت أغنيتين منفردتين على مدار عامين مختلفين، الأولى «قدرت خلاص» ذات طابع رومانسي، والثانية عن الوحدة الوطنية بعنوان «مالكم ومالنا»؛ حيث لم تمكنها التجربة من تحقيق شهرة كبيرة كمطربة؛ لرفضها مواكبة موجة مطربات العري.

وبمواجهتها ببعض التجارب الناجحة، قالت دينا: إن هذه التجارب قليلة للغاية مقارنة بعشرات المطربين الذين خاضوا التجربة مرة واحدة فقط، ورفضوا الاستمرار فيها لفشلها، وأشارت إلى أنها استعانت في الأغنيتين بمجموعة عمل شهيرة في الوسط الفني، مثل المخرج أحمد يسري، والمؤلف مصطفى مرسي، والملحن وليد سعد، والموزع عادل عايش.  إلا أنها عانت كثيرا في العرض على القنوات الفضائية والأرضية والإذاعة أيضا، على الرغم من التسهيلات التي قدمها المخرج أحمد يسري لها من خلال علاقاته المتشعبة بكبار الشخصيات في القنوات المختلفة، لكن لم تحظ الأغنيتان بالعرض إلا فترات محدودة، الأمر الذي أصابها بإحباط شديد.

رفض الخضوع

ومنذ دخول المطربة بشرى المجال الفني كانت تأمل في إنتاج ألبوم غنائي خاص بها، لكن لم تتمكن من تحمل تكاليفه، كما رفضت الخضوع لشركات الإنتاج والاحتكار خوفا من توظيف موهبتها بشكل خاطئ.

ووجدت أن الأغنية الـمنفردة أفضل الحلول للهرب من الاحتكار؛ لأن نجاح أغنية واحدة قد يكون كفيلاً بتلميع صورة أحد المطربين في سماء الطرب، لكن تبقى مشكلة العرض هي المعضلة الكبرى؛ حيث يتحكم فيها كبار المنتجين من خلال علاقاتهم مع الفضائيات.. مشيرة إلى أن مسؤولية الإعلام أن يهتم بالجيل الجديد من المطربين.

منطقة كوارث

ويصف المطرب والممثل أحمد فهمي بورصة الغناء في مصر بأنها دخلت منطقة الكوارث؛ لكون الوسط الغنائي يقف فوق بركان يغلي، والكل فيه خاسر سواء كان مطربا أم منتجا؛ حيث تسبب الإنترنت في إصابة سوق الـ سي دي والكاسيت بحالة من الركود والإفلاس، إضافة إلى عدم وجود حفلات أو ألبومات، مضيفا أن الإنترنت لم يكن السبب الوحيد، بل إن الأزمة الاقتصادية قد أعادت توزيع خريطة الفن الغنائي؛ فعلى الرغم من زحام المطربين، إلا أن هناك نوعا من الفراغ في الإنتاج أصاب صناعة الـ سي دي والكاسيت، فلم يعد المنتجون إلا مجرد مستثمرين في الرسائل القصيرة (sms) والنغمات والرنات.

والأخطر من ذلك أن الحفلات الحية (live) التي شهدت صراعا مريرا بين المطربين والمنتجين على كعكة أرباحها قد انتهى عصرها، وانفض سوقها، وذلك ما جعل المطرب وبالاً على الشركة التي تتبناه، ومن هنا تأتي المشاكل التي لا حدود لها، فيضطر المطرب إلى الخروج من عباءة الشركة المنتجة، لكن بسبب التكلفة العالية يبدأ المشوار بإنتاج أغنية منفردة تحل أزمته المالية، ولا تكبده خسائر في حالة عدم رواجها، لكن التجربة معرضة للنجاح والفشل، ففي الحالة الأخيرة يعود المطرب مرة أخرى إلى الاختباء في جحور المنتجين، والتسكع حول أسوار شركات الإنتاج.

أضاف فهمي أنه لم يحقق أي مكاسب من أغنية «ياللي غايب» التي طرحها في عيد الحب الفائت، لكنه أكد أنه يكفيه عدم تعرضه لأي خسارة، مؤكدا أنه سيطرح عدة أغاني منفردة في الفترة المقبلة بعد أن قام بعمل دراسة مستفيضة عن أحوال بعض الفضائيات وأسعارها وكتَّاب الأغنيات والموزعين والملحنين؛ كما سيقدم ثنائي (duetto) خلال شهرين بالاشتراك مع إحدى المطربات كخطوة جديدة في الغناء الـمنفرد من دون اللجوء إلى شركات الإنتاج.

رواج مقبل

واتفقت المطربة سميرة سعيد مع فهمي مؤكدة أن الأغنية المنفردة في الفترة المقبلة ستشهد رواجا كبيرا بسبب حالة الكساد التي تعاني منها سوق الـ سي دي والكاسيت، لكن المؤكد أن هذا الكساد سينتهي؛ لأنه ليس من الممكن أن تتوقف صناعة الأغاني، وإن حاصرتها المشاكل لفترة زمنية مثل قراصنة الإنترنت الذين يسببون خسائر فادحة لشركات انتاج الـ سي دي والكاسيت؛ لذلك تعد الأغاني المنفردة هي أفضل البدائل المقترحة حاليا.

وتضيف: «إن بعض المنتجين لم يمنعوا الملحنين والمطربين من تقديم أغنيات منفردة، لكنهم اشترطوا عليهم حفظ حقوقهم أو منحهم نسبة من الأرباح دون أن تتدخل بأموالها في عمليات الإنتاج»، وأشارت سميرة إلى تجربتها مع المنتج الغنائي محسن جابر الذي لم يقف في طريقها سواء في الاتجاه إلى الغناء المنفرد أم عند إقامة حفلات اشتملت على استعادة غناء أغنياتها القديمة.

مصلحة مشتركة

وقد اعتبر الفنان محمد فؤاد فكرة الأغنية  الـمنفردة رائعة؛ لأنها تمنح الأغنية فرصة أكبر ليسمعها الجمهور بعد تصويرها، خصوصا أن هناك أغاني جيدة جدا، لكن لم تأخذ حقها، وذلك لا يؤثر في المطرب وحده، ولكن في كل من الشاعر والملحن والموزع أيضا، فمن الممكن أن يقدم الفنان عدة أغانٍ منفردة على فترات، ويقوم بتصويرها، ثم يقوم بعد فترة بضمها في ألبوم واحد، لكن فؤاد أكد أهمية الألبوم الكامل بشكله التقليدي،

وقد اتفق مع فؤاد في الرأي المطرب محمد حماقي الذي أكد أن مصلحة الشركة المنتجة أن ترى أغنية لمطربها مطروحة بصفة مستمرة؛ لأن سياسة أي شركة تحدد مدى إيجابية المطرب من خلال تفاعله مع جمهوره بأغنياته؛ لذلك فإن من مصلحة الشركة استمرار وجود مطربها ولو بأغنية منفردة.

فالمصلحة مشتركة، لكن الأمر مفيد بشكل أكبر للمطربين الصاعدين، حتى يتمكنوا من وضع أنفسهم على أول طريق النجومية وسط العدد الهائل من المطربين. وأضاف حماقي أن الأغنية المنفردة تأخذ حقها لدى الجمهور أفضل من نزولها في ألبوم لا يعود بفائدة مالية في الوقت الراهن سواء للشركة أم للفنان، بسبب الخسائر الفادحة التي يلحقها القراصنة بشركات الـ سي دي والكاسيت.

وعن تجارب بعض الفنانين الصاعدين العرب في مجال الأغنية المنفردة قال حماقي: «إن أفضل مثال على تثبيت أقدام المطربين عند الجمهور تجربة المطربة اللبنانية الصاعدة «نتاشا»، التي دخلت قلوب الجماهير من خلال أولى أغانيها «ده كفاية»؛ حيث غنتها منفردة، وتم بثها في بيروت وبعدها حصلت على حق بثها معظم الفضائيات العربية، وتسابقت شركات الإنتاج للتعاقد مع المطربة، على الرغم من رفضها إياها في البداية لصغر عمرها».

الفرقعة

في حين وصف الموسيقار منير الوسيمي، نقيب الموسيقيين المصريين الأغنية المنفردة بأنها محاولة من المطرب لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من التدني الفني السائد، فالمطرب يركز على تكلفة أغنية واحدة خير من ألبوم لا جديد فيه، وهذا ما يعود بنا إلى زمن الفن الجميل عندما كانوا ينتجون أغنية واحدة في العام.

وتمنى الوسيمي أن تؤدي ظاهرة الأغنية المنفردة إلى عودة زمن الطرب، وألا تكون مجرد وسيلة للانتشار يستغلها بعض المطربين الضعفاء الذين يتصيدون النجاح من خلال أغنية واحدة يصعدون بها، ويطلقون عليها «الفرقعة»؛ حيث لا يعد ذلك نجاحا حقيقيا يستحقون عليه الإشادة.

بينما أرجع الموسيقار حلمي بكر لجوء المطربين في بداية مشوارهم إلى الأغنية المنفردة إلى محدودية تكلفتها، ودلل على ذلك بأن المطرب يقوم بضم الأغنية إلى أي ألبوم إذا حققت نجاحا، حيث يركز في التجديد فيها ويقوم بتصويرها فيديو كليب، الأمر الذي يتيح التواصل مع الجمهور عبر الفضائيات، فتفيده فنيا عكس مطربين لهم باع طويل في سوق الغناء أمثال عمرو دياب، أصالة، محمد منير، أنغام، فهم لا يفكرون في طرح أغنيات منفردة لا طائل من ورائها بالنسبة لهم.

 

المصدر : صحيفة البيان الإماراتية