الأرشيف العشوائي للموسيقى العربية - تراث استثنائي يواجه الضياع

بيير فرانس

تراث كبير لمئات المغنين عبر العالم العربي من المغرب إلى العراق يتعرض لخطر الاختفاء. وحتى المحاولات القليلة للحفاظ على ذلك التراث تتعرض لعقبات متنوعة ليس أقلها عجز المؤسسات.

شهد شهر تشرين الثاني/نوفمبر الماضي مرور الذكرى الخمسين لاعتلاء أم كلثوم مسرح الأولمبيا الباريسي، ضمن سلسلة حفلات أسطوريّة للمطربة التي كان برونو كوكاتريكس، وهو مدير المسرح حينئذ، يعقتد أنّها «راقصة شرقيّة».  لكن سيبقى البحث عن إصدارات لهذه الحفلات المحاطة بعدة أساطير (خمس ساعات مدّة كلّ منها، وتحوّل جيرارد ديبارديو إلى الإسلام بعد إحدى الحفلات كما قيل...إلخ.)، عديم الفائدة، علماً أنّها كانت الحفلات الوحيدة التي قامت بها المغنّية خارج العالم العربي.  وحقيقة الأمر أنّه لا يمكنكم شراء أيّ نسخة مسجلّة لهذه الحفلات، صوتيّة كانت أو مصوّرة. ولسماعها، مُجتَزَأَة، فإنّ الوسيلة الوحيدة هي المرور بموقع يوتيوب.

منذ عدّة سنوات، يعيد إرث الموسيقى العربيّة الظهور بهذه الطريقة غير المتوقّعة. فوسائل التواصل الإجتماعي ويوتيوب بشكل خاصّ، تشغل اليوم مكانة مهمّة في عالم الأنشطة الثقافية العربية (الموسيقيّة وغيرها).  وهي تخلّف بصفة منتظمة ضجّة buzzتصل أحياناً إلى أوروبا، كما أنّ صناعة الكليبات الموسيقيّة التي كانت مرتكّزة سابقاً على التلفزيون قد استثمرت هذه الوسيلة الجديدة على نطاق واسع. لكنّ هذه المواقع لا تخدم فقط فناني الموضة الجديدة، إنّما تحوّلت على نحو غير منتظر إلى أداة أرشفة وإذاعة. إنّها استعادة عشوائية لإرث ثقافة عربيّة لا يمكن الوصول إليها بطريقة أخرى.

 

الأطلال

سواء تعلّق الأمر بالنجوم الكبار على غرار أمّ كلثوم أو، بصفة أَولى، أولئك الأقلّ شهرة، فإنّه من الصعب العثور على الموسيقى العربيّة التي يُحتفى مؤخّراً بإعادة اكتشافها، إذ أنّ النسخ الصادرة غير موجودة أو أنّها متدنيّة الجودة.  ولأولئك الذين يريدون ببساطة اكتشاف أمّ كلثوم من خلال "أفضل المختارات" (best-of)، فمن الصعب العثور على ذلك سواء بالعربيّة أو بأيّ لغة أخرى: هناك أكثر من 31 طريقة لكتابة اسمها بالأحرف اللاتينيّة، وكلّ منها تقريباً يحيل إلى عدّة شركات إنتاج موسيقي، وعدّة نسخ من الأغنية الواحدة.  ولئن وُجدت مجموعة أعمال كاملة، فهي متوافّرة فقط في العالم العربي وليس في أوروبا، بثمن مرتفع جداً (1500 دولار أي ما يعادل 1268 يورو)، وهي على شكل علبة فاخرة تحوي مجموع الأسطوانات المدمجة CDالصادرة في تسعينيات القرن العشرين.

في المقابل، فإنّ كبار المنتجين الأوروبيين ما انفكّوا يعملون على لوائح أعمالهم الصادرة سابقاً من خلال نسخ أكثر فخامة (longbox، صوت محسّن الجودة، الإصدارت غير المسبوقة والـB side، وكتيّبات تتحدّث بالتفصيل عن فريق العمل ومكان ويوم كل تسجيل،...إلخ.)، وذلك من ماريا كالاس وصولاً إلى الرولينغ ستونز، إلّا أنّه من الصعب إيجاد أمر معادل لهذا بالنسبة للموسيقى العربيّة، رغم أنّ فيها أمّ كلثوم التي لا مثيل لهالتها.

السبب وراء هذا الواقع اقتصاديّ بالدرجة الأولى. إذ يصعب بيع هذه الموسيقى على المستوى الأوروبي والأميركي، بينما تعاني السوق العربية من انعدام العائد الريعي للأعمال الموسيقية: فالسوق اليوم ملغومة بأعمال القرصنة وبالخلافات بين أصحاب الحقوق واختفاء علامات تجاريّة عدّة، وبغياب تحصيل حقوق المؤلفين... كل ذلك دون الحديث عن الظرف السياسي: أذاعت المملكة العربيّة السعوديّة حفلة لأمّ كلثوم للمرّة الأولى عبر قناة حكوميّة في تشرين الأوّل/أكتوبر الماضي! وفي هذا البلد، لم تُشرّع حقوق المؤلفين إلّا منذ العام 2003، وهي غير محصَّلَة في البلدان الأخرى، أو بقلّة (فقط في لبنان)، لدرجة أنّه وفقاً لأحد الفاعلين في السوق، فإنّ «ميزة العمل في العالم العربي هي أنّنا ننطلق من الصفر، والوصول إلى تأمين حدّ أدنى من الدخل هو إنجاز كبير في حدّ ذاته». قلّة أولئك الذين يحاولون إعادة الإصدار في مثل هذه الظروف. أصدرت مؤسسة البحث والتوثيق في الموسيقى العربيّة (AMAR Arab Music Archiving and Research، longboxلمغن ينتمي إلى بدايات القرن العشرين، وهو يوسف المنيلاوي، وقد قُرصِن العمل على نطاق واسع و«بيعَ في أوروبا أكثر بكثير ممّا في العالم العربي»، كما يشير مصطفى سعيد، مدير AMAR. كما أنّ العمل لم يُبَع بالقدر الكافي الذي يخوّل الجمعيّة الانخراط من جديد في مشروع كهذا.

 

الأيادي البيضاء للحنين

إنّ غياب سوق الإصدار لم يمنع أمّ كلثوم وآخرين من أن يبقوا النجوم الأكثر سَماعاً، ذلك أنّ الحنين، وإن كان لا يُباع، يبقى حاضراً بقوّة في العالم العربي، وتقوم مجموعة كبيرة من المجهولين بإعادة إحيائه منذ عشر سنوات عبر الويب.  فعبر كلّ المنطقة، قامت أيادٍ صغيرة بنشر كليبات وأغان وبإنشاء عشرات الصفحات على شرف مطربين، أفضل مما فعلت أي شركة إنتاج موسيقيّ إلى حدّ الآن.  وقد استفاد هؤلاء من رفع القيود التقنية: من الصعب حتى الآن جمع أغان لأمّ كلثوم إذ تحتاج أغانيها التي تستمر لأكثر من ساعة عشرات الإسطوانات المدمجة CD.  أما على الإنترنت، فلا توجد قيود، ويمكن حتّى لكلّ شخص أن يختار وينشر مقاطعه المفضّلة. هكذا، تمكّن كلّ شخص من أن يحيي مطربيه الأسطوريين بكلّ حريّة دون تدخّل من شركات الإنتاج الموسيقي الخاصة بهم.  وبالكاد التحقت هذه الأخيرة للقيام بهذه الأعمال، التي لا ترى جدوى مادية لها، في سباق مع الوقت. ومنذ وقت قريب قامت مزّيكا Mazzikaــ وهي الشركة التي تدير حقوق عدد من أساطين الغناء ــ بإطلاق قناة يوتيوب، لكنّها لا تنتظر منها ربحاً يذكر: لا يوجد فيديو يوصلك إلى إمكانيّة شراء الأغنية التي تستمع لها.  وعلى عكس السياق الأوروبي حيث تقوم شركات الإنتاج الموسيقي بمطاردة كل الذين يقومون بإتاحة أغان للاستماع دون مقابل، وتقوم بحذفها في وقت قصير، فلا شيء مماثلاً موجود بالنسبة للمطربين والفنانين العرب. بل وصلت الأمور إلى درجة قلبت الموازين: تشكّل اليوم قنوات اليوتيوب والمنتديات ومجموعات الفايسبوك الوسائل الرئيسة للاستماع للأغاني، كما أنّها توفّر إضافة إلى ذلك أغان وفيديوات ليست مطروحة للبيع أساساً.  لقد أخذ «المعجبون» بزمام الأمور، وتظهر هذه الاستعادة العشوائية للتراث أجزاء منسيّة منه، وحتّى أجزاء غير معروفة سابقاً بالمرّة، وذلك من خلال رقمنة تسجيلات صوتيّة وتسجيلات فيديو لهواة، أو مجموعات خاصّة أكثر تنظيماً تعود إلى عارفين أثرياء. وفي هذه الحركة، أعيد إحياء الموسيقى الشعبيّة والموسيقى الفنيّة على حدّ سواء، بشكل سمح بإعادة تحديد ملامح «الموسيقى العربيّة.»

إلى جانب مشاريع أخرى، على غرار منتدى سماعي (2005)، تُعَدُّ AMARالتي أنشئت عام 2009 انطلاقاً من مجموعة كمال قصَار، وبالاشتراك مع عازف عود معروف هو مصطفى سعيد، أحدَ المشاريع الأكثر تمثيلاً لهذا الاهتمام الجديد بالموسيقى العربيّة، خاصّة أنّها نبشت مجموعات خاصّة كانت إلى ذلك الحين محفوظة بحرص. مرتكزاً على موسيقى النهضة (من أواخر القرن التاسع عشر إلى ثلاثينيات القرن الماضي)، وهو زمن ظهور الأسطوانات ذات 78 دورة في المنطقة.  يهدف هذا المشروع إلى التعريف بما قبل أمّ كلثوم، فهي في النهاية مطربة عصريّة جدّا في استخدامها للأوركسترا المستَلهَمة من أوروبا. تنبش الجمعيّة وترقمن تسجيلات النهضة التي أصبحت نادرة بفعل اضطرابات الحربين العالميتين أو لأسباب سياسيّة، فهي قد «مُنعت لمدّة عشر أو خمس عشرة سنة في عهد عبد الناصر لأنّها تذكّر بما قبل تسلّمه السلطة»، كما يشير مصطفى سعيد.  وفي جبل بيروت، حيث يقع مركزهم، تجري أيضاً رقمنة الأشرطة المغناطيسيّة غير المنشورة سابقاً لسهرات خاصّة أقيمت في المملكة العربيّة السعوديّة في ثلاثينيات القرن العشرين ولم تُسوَّق مطلقاً من قبل. إنّها موسيقى فنيّة لكنّها غير موجّهة لأن تبقى حكراً على الجامعيين وأصحاب المجموعات.  وبالنسبة لمنذر الهاشم، الذي يعمل منذ وقت قصير في الجمعيّة، فقد أصبح لهذه الموسيقى التي لم تكن مألوفة بالنسبة له، تأثير «يوازي سماع مقطوعة بلوز قديمة.»

 

ذاكرة عرب المهجر

بطريقة مختلفة، اهتّم داميان تايارد من جمعيّة Phocéephoneبموسيقى عربيّة أخرى، هي موسيقى المهاجرين المغاربة في فترة “الثلاثين المجيدة” (الممتدة بين عامي 1945 و1975)، وهي موسيقى مُهمَلَة من قبل جامعي الأسطوانات ذات 78 دورة، المهتمّين أكثر بالموسيقى العربيّة «الحقّة» وهو ما يلفت إليه عالم الموسيقى جان لامبير: «إنّ الموسيقى الشعبيّة تمثّل الطرف الأضعف في كلّ الدراسات وجهود الأرشفة».

عندما أطلق داميان مدوّنته، جاء ذلك أوّلا بفعل الفضول المجازف نحو موسيقى لم تكن تثير اهتمام كثيرين: «وقعت في عامي 2006 و2007 على صندوق أسطوانات، ذات 45 دورة، في السوق عند شخص لم يكن ذلك نشاطه الأساسي. كان الباعة الجوّالون في سبعينيات القرن العشرين يبيعون الأسطوانات مع الأحذية والأدوات الكهربائيّة المنزليّة». ومنذ ذلك الحين، جمع مئات الأسطوانات، وقد أصبح بذلك أحد أفضل المختصين في هذه الموسيقى.  لكنّ هذا المسار يحمل في ثناياه جزءاً نضاليّاً. فهو عندما ينسّق الموسيقى يوم الأحد 12 تشرين الثاني/نوفمبر، يقوم بذلك في حانة تاريخيّة في قلب حي بيلسونس الرمزي للمهاجرين في مارسيليا.  وهناك، يروي الزبائن أنّهم قد سمعوا «يا رايح» من دحمان الحراشي في الكباريهات القديمة وفي حانات الأحياء.  من خلال الموسيقى، يكشف مشروعه جزءاً من ذاكرة الهجرة.  وبهذا المنطق، ليس الهدف إيجاد الجوهرة التي ستُرقِص حانات أخرى عصريّة أكثر، ولا الاحتفاظ بحرص بأغان وبأسمائها لنفسه، لكن يكمن الهدف بإعادة إحياء المعلومات التي راكمها بصبر بشأن هذا التراث المنتشر بين بلاد المغرب وفرنسا: «علينا أن نُؤرشف، كما علينا أيضاً أن ننقل.»

إنّ مسار النقل هذا يتقاطع أيضاً مع رغبة في الاستعادة من قبل أبناء المهجر، على غرار نبيل جدواني الذي أطلق منذ فترة قصيرة «Raï and Folk»، حيث يقوم بالرقمنة وبإتاحة أغان جزائريّة من الستينيات وحتى التسعينيات، للاستماع. لكن بالنسبة له، فإنّ الأمر يتعدّى مجال الموسيقى إلى السينما، غرامه الأوّل، والتي أُعيد اكتشافها بذات القدر في السنوات الأخيرة.  ومن الصعب في الواقع الفصل بينهما. أوّلاً لأنّ الفاعلين في القطاع الخاص كما في القطاع العام، غالباً ما يعملون في المجال السمعي البصري بصفة عامّة، مثلاً فإنّ الاتحاد المتوسطي للفنّ الحديث (UMAM) الذي حصل على أرشيف استوديو بعلبك في لبنان اكتشف فيه أفلاماً وموسيقى.  كما أنّ استخدام يوتيوب كـ «أداة» للتراث قد أبرز بطبيعة الحال الكليبات ومقاطع الأفلام.  في ما يخص نبيل جدواني، فقد اهتم أوّلاً «بالموسيقى إثر عثوره على كليب نشره شخص في إيطاليا يقوم برقمنة الكاسيتات وأرشيف التلفزيون الجزائري،» فيما تقاطع مساره عدّة مرات مع مسار منبّشين diggersمهتمّين بموسيقى الأفلام، على غرار موسيقى أحمد مالك التي أعيد إصدارها حديثاً.

 

الأرشفة أفضل ما يستطاع

بالنسبة لنبيل وكمال ومصطفى وداميان، لا مجال للغبطة. فخلف ظاهرة الويب هذه يختفي الأرشيف «الحقيقي». وكما كان يروي كمال قصّار في 2006: «هناك مطربون ومطربات كبار عملوا طوال حياتهم للإذاعة، واندثرت هذه الأشرطة تماماً؛ لم يعد ممكناً سماع معظم هؤلاء المغنّين لأنّهم غالباً قد توفّوا ولم تقم الإذاعة بأخذ مبادرة إصدار موسيقاهم.»  لم يتغيّر شيء منذ ذلك الحين. وإن كنّا لا نعرف حقّاً ما أصبحت عليه أرشيفات شركات الإنتاج الخاصّة، يبقى هناك كنز غير مستغلّ وهو الأرشيفات العامة التي لا يمكن الوصول إليها، دون أن نعرف إن كان سبب هذا هو محاولة إخفاء شيء معيّن (مقاطع الرقابة على سبيل المثال)، أو الحرص على إخفاء الحالة المزرية لهذا الأرشيف المُهمل. في معظم دول المنطقة، تحتوي القنوات والإذاعات الرسمية على قسم كبير من الأرشيفات الموسيقية، وهو تراث لا يُعطى قيمة، ويبقى على حاله حتى يضمحل أو أن يصار إلى الاستحواذ عليه بطرق خفية بغية بيعه. والمشكلة ليست أقلّ تعقيداً بالنسبة للأفلام والموسيقى الحديثة.  ففيما يخص موسيقى الراي على سبيل المثال، وهي إنتاج مرحلة لم تعد فيها الدولة تحتكر القطاع السمعي البصري، فقد اختفت جميع شركات الإنتاج الموسيقي لتلك الفترة تقريباً، في حين قام المنتجون في بعض الأحيان بالتخلص من المخزون والمرور نحو أمور أخرى. وكما يشير داميان، ففي بيلسونس، تحوّل المنتجون السابقون ومحلّات الموسيقى إلى مجال الألبسة الجاهزة. علماً أنّ الكاسيتات تتقادم بطريقة سيّئة، إضافةً إلى أنها كانت تُنتج حسب الطلب، أي أنّها تُقرصَن من قبل أيّ بائع.

 

مستقبل غير مضمون

وراء الفورة الظاهرة بشأن الموسيقى والسينما العربيّتين، فإنّ سأماً وقلقاً يراودان كلّ الناشطين والفاعلين، خاصة أنّ إرادة النقل تصطدم بمشكلة ماليّة. «ما أريد القيام به هو إنشاء مركز للموارد الرقميّة. يتّصل بي دائماً طلاب جزائريون. لكن يلزم المال للدفع لموقع...»، يقول نبيل، وهو ما يتفق بشأنه كل الفاعلين الآخرين الذين يصرفون من وقتهم ومالهم الخاصّ. من الصعب بيع الأسطوانات بخسارة، أو الدفع لاقتناء المعدّات المناسبة: عند داميان تايارد، تمرّ الرقمنة من خلال «جهاز بلاتين بسيط في غرفة الجلوس وبطاقة صوت موصولة بالكمبيوتر». وقد اكتست المسألة المالية أهمية أكبر فأكبر في السنوات الماضية لأنّ أصحاب مجموعات أغنياء من الخليج وكذلك منبّشون diggersأوروبيون قد تسببوا في رفع الأسعار ولفتوا الأنظار للأسطوانات ذات 78 دورة وللغناء الشعبي العربي.  وبالنسبة لبعض هؤلاء، لا يهدف الأمر إلى إعادة الاكتشاف والمشاركة، بقدر ما يرمي إلى اقتناء وتملّك القطع النادرة والفريدة. في هذا الإطار، لا توجد اليوم سلطة مخوّلة بممارسة «حقّ الشفعة» باسم التراث العربي، ولا مؤسسات تمتلك الميزانيّة للشراء بسعر أفضل من السوق. من AMARإلى Raï and Folk، يأسف الجميع لغياب عمل السلطات العامّة، بقدر ما يتوجّسون من مشاريع «الاستعراض» الظرفيّة، التي لا تفضي إلى عمل طويل المدى. إنّ الوضع معقّد: عندما توجد التمويلات، لاسيما تمويلات الاتحاد الأوروبي أو اليونسيف، فإنّها تكون على دفعات ولفترة محدّدة، في حين أنّ الأرشفة تحتاج إلى عمل على المدى الطويل وإلى تعهد مستدام من قبل الفاعلين. كما أنّ محدوديّة هذه التمويلات تُجبر على الاختيار بين كلّ هذه المشاريع رغم أنّها متكاملة في ما بينها إلى حدّ كبير. وإذا ما تَركت الدول العربيّة هذه المسألة مُهملة، فإنّنا من الجانب الآخر للبحر الأبيض المتوسط، نُعَطّل أحياناً لأسباب سياسيّة (من الصعب مثلا رقمنة السينما الجزائريّة لمرحلة ما بعد الاستقلال في فرنسا...)، أو قانونيّة: في لبنان، لم يتمكّن المعهد الوطني السمعي البصري (INA) من مواصلة رقمنة شرائط ستوديو بعلبك لاستحالة الوصول إلى أصحاب الحقوق. في الواقع، في حين بلغت هذه الحركة بضعة سنوات من العمر، فإنّ بعض المنظمات وصلت إلى طريق مسدود، على غرار جمعيّة IRAB، أو في مجال آخر، بنك الصور اللبناني Lebanese Photo Bankلصاحب المجموعة نعيم فرحات. حتّى أنّ الثروة الشخصيّة لمؤسس AMARلم تكفِ لرقمنة أكثر من 20% من مجموعته، وذلك منذ عام 2009.  والخطر اليوم كبير من أن تُنهك هذه التحركات وأن تعود المجموعات إلى المجال الخاص، فلا تكتمل الرقمنة أو لا تفضي أبداً إلى نشر، أو أن تختفي الفيديوات والموسيقى من الويب حيث الأرشفة على المدى الطويل غير مضمونة.

 

المصدر: موقع اورينت الألكتروني