خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

عبد الكريم الكابلي: هناك تقصير من الإعلامين السوداني والعربي في تقديم الأغنية السودانية

. مقابلة

عبد الناصر حسين

كشف الفنان السوداني الكبير عبد الكريم الكابلي أنه سبق سيدة الغناء العربي أم كلثوم في غناء قصيدة أبي فراس الحمداني «أراك عصي الدمع» بثلاث سنوات. وحمل الكابلي الإعلامين، السوداني والعربي، مسؤولية عدم تقديم الأغنية السودانية للمستمع العربي بالشكل المفروض أن تقدم حتى تألفها الأذن العربية، وقال إن السودان من أوائل الدول العربية بعد مصر التي قدمت الأغنية المصورة (الفيديو كليب) مستشهدا بأغنية قدمها الفنان حسن عطية في أربعينيات القرن الماضي بعنوان «الخرطوم».

والكابلي شاعر ومغن ويضع ألحانه بنفسه، ويهتم بكل ما يتصل بأمر الثقافة بتركيز، إلى جانب التراث الشعبي.  وقد عمل موظفاً لفترة زادت عن ربع قرن، ويقوم حاليا بإنتاج أعماله الفنية، فيها الجديد وفيها مراجعة القديم مع توزيع جديد، ونال في العام الماضي درجة الدكتوراه الفخرية من جامعة «نيالا» السودانية.

وفي ما يلي نص اللقاء:

* لماذا لا نرى لك أعمالاً جديدة بحجم الروائع «يا ضنين الوعد، وحبيبة عمري، وطائر الهوى»؟

ـ خلال الأسبوعين المقبلين سيصدر لي شريط جديد وCDبعنوان «ليلة المولد» يحتوي على مجموعة من الأغنيات الجديدة، وربما كنت أكثر نشاطا في الفترة الأخيرة، فمنذ عام 2000 وحتى وقتنا الحالي أصدرت ما لا يقل عن خمسة إصدارات، فيها أغنيات جديدة، وفي رأيي انه كم كبير مقارنة بفترة إنتاجها، ويتضمن الألبوم رائعة ميرغني عبد الباسط بعنوان «استشراق».

وأنا غنيت بكل الألوان، لشعراء من داخل السودان، أمثال صديق مدثر الذي غنيت له «يا ضنين الوعد» وحسين الحسن في أغنية «حبيبة عمري» إلى جانب مجموعة أخرى من الشعراء السودانيين، كما غنيت لشعراء من خارج السودان، مثل عباس محمود العقاد في قصيدة «شذى زهر» وغنيت كذلك لشعراء سودانيين بالكلمة الدارجة إلى جانب ما كتبته أنا، ثم غنيت الفصيح لشعراء قدامى، فأنا إذا أعجبت بالشعر ألحنه، فمثلا أغنية «فضة» كانت منشورة في صحيفة وعرضها علي صديق فقمت بتلحينها.

* قصيدة أبي فراس الحمداني «أراك عصي الدمع» من غناها أولا، أنت أم السيدة أم كلثوم، وما الدافع إلى ذلك؟

ـ أنا غنيت قصيدة «أراك عصي الدمع» للشاعر أبي فراس الحمداني قبل أن تتغنى بها سيدة الغناء العربي أم كلثوم بثلاث سنوات، ودافعي كان ينبع من اهتمامي بمضمون الشعر، فعندما قرأت القصيدة أعجبت بكلماتها، فأنا إذا ما خاطب الشعر شيئا في دواخلي تغنيت به. بالطبع هناك اختلاف، اختلاف في اللون وفي الأداء وفي اللحن، لكني راض عما قدمته، بل عندما شاركت في مهرجان قرطاج عام 1984 وقدمت سهرتي المسائية في قابس بتونس تحلق حولي مجموعة من الأحباب، وقال لي احدهم «أهنئك من قلبي على لحنك لقصيدة أراك عصي الدمع الذي تفوقت به على الأستاذ السنباطي» فكان ردي له أن السنباطي قامة كبيرة ولا يجارى، فقال لي بالحرف الواحد «كفاك تواضعا يا أستاذ، إن محدثك حاصل على درجة الدكتوراه في الموسيقى من فرنسا».

* هناك اهتمام وارتباط وثيق بينك وبين التراث، خاصة الفن الشعبي.. لماذا؟

ـ أولى المحاضرات التي قدمتها في التراث الشعبي كانت في العام 1960، ومنذ ذلك الوقت تكبر قناعاتي بأمر الفن الشعبي وبأهميته، وتكبر مع مرور الزمن من خلال التأمل ومتابعة مسارات الحياة لا في السودان وحده وإنما في العالم كله. والإنسان لا يقدر على حل نفسه من التراث لأنه يحمله في داخله، ونحن امتداد لآبائنا ولأسلافنا، وهذه حقيقة، فنحن نحمل خصائصهم في جيناتنا فلا اقل من أن نعترف بقبضة التراث. ويمتد هذا التراث وتمتد أهميته لتشمل كل العادات والتقاليد، وما تركه الآباء من تعبير يمكن القول بأنه فني، فقد عبروا عن حياتهم فنا، ففي كل المجالات نجد التوثيق، في الشعر، وفي جماليات الألحان التي وضعوها لنا، وفي رؤاهم، فإذا تحدثنا عن الدين فهو تراث، وإذا تحدثنا عن أي جانب من الجوانب فهو تراث. ولذلك لا ينبغي علينا ان نغفل التراث بل علينا أن نعطيه نسبة مائوية متساوية مع أهمية اهتمامنا بالحاضر. وفي بلد كالسودان، حيث التعددية والتنوع لا يصبح الاهتمام بالتراث من الأمور اللازمة بل من الأمور الواجبة. وإذا كان ينبغي علينا في السودان أن نلم بأطراف من التراث، وإذا كان ينبغي على المواطن العادي أن يتعرف تراثه فإنه يتوجب على صانع القرار أن يلم بالتراث، حتى لا يصدر قراره من فراغ وعدم معرفة، لان بلدا كالسودان بزخمه وتنوعه إذا لم يتوفر له الإحساس بالانتماء فسوف يفرز العصبيات، كعصبية اللون، واللغة، والقبيلة، والدين، لذلك يتخذ التراث أهمية من هذه التعددية، وهذا أمر طالما دعوت له قبل عشرات السنين وهذا ما قصدته في برنامجي التلفزيوني الذي أقدمه على الفضائية السودانية «تراثيات» وهو أمر كان يتوجب علينا أن نهتم به من زمن لكي يعرف بعضنا البعض من خلال الإحساس بالانتماء الذي يمكننا أن نحققه من خلال التمازج والتزاوج والتلاحق حتى تذوب الدماء وهذا معروف في التاريخ.

* الأغنية السودانية غير رائجة على الساحة العربية، برأيك هل هناك تقصير من الإعلام السوداني أم العربي؟

ـ التقصير من الإعلامين، السوداني والعربي، فالبعض يقول إن الفنان السوداني مدان وملام، لكن يغيب عنهم أن الأمر يحتاج الى إمكانيات، وعالم اليوم أصبح الفن فيه يحتاج إلى دعم مادي كبير، وأصدق مثال في هذا الأمر رواج الأغنية الخليجية التي دعمتها الإمكانيات المادية فوفرت لها الملحنين الجيدين والاستديوهات المجهزة بأحدث التقنيات. وموسيقى وألحان الأغنية السودانية تتسم بخصوصية لم تألفها الأذن العربية، فنحن نتعامل مع السلم الخماسي، والعرب اعتادوا على السلم الكامل وفيه الخماسي ونصف النغمة، ولذلك فإن الأمر يحتاج أُلفة وتعودا واستماعا متواصلا متكررا حتى تقوم الألفة بين الأذن وما تعودت عليه وبين اللون الجديد الذي استمعت له.

فإذا قام الإعلام بهذا الدور يمكن للأغنية السودانية أن تصل إلى الأذن العربية، وبعكس ذلك نجد رواجا كبيرا للأغنية السودانية في دول الجوار، كالصومال وإثيوبيا وإريتريا وتشاد وشمال نيجيريا حتى في النيجر، والمفارقة أن الاغنية السودانية لا تجد الترحاب في البلاد العربية بينما تحمل الكلمة العربية الجميلة التي ربما لا نجدها في الغناء الحالي، لكننا نجد هذا الرواج في البلاد الإفريقية التي لا تعرف الكلمة العربية إنما تطرب للحن.

* لماذا لا نشاهد الأغاني السودانية المصورة (الفيديو كليب)..هل السبب مادي أم ماذا؟

ـ الأغنية المصورة، ما هو المراد منها ؟ ربما غاب عن الكثيرين بان السودان بما يتصل بالأغنية المصورة هي دولة رائدة في هذا المجال، وهي أيضا أول دولة عربية بعد مصر في الأفلام والسينما. وأول من قدم اسكتش كان الفنان السوداني حسن عطية في أغنية «الخرطوم».

فهل المقصود من الأغنية المصورة التسلية ؟ هناك تسلية رخيصة، وتسلية لها أبعاد وعمق، وهذه قصة مهمة لأبعد الحدود، فربما أحس الفنان السوداني بالتحرج من أن يقدم أغنية وتأتي فيها الفتيات يرقصن وهن أقرب "إلى لبسة المُتَفَضِّلِ» كما يقول الشاعر الملك الضليل امرؤ القيس، فلابد أن يكون هناك مضمون، وأنا أفكر في الوقت الحالي في تقديم أغنية مصورة بعنوان «لماذا؟» وهي تتصل بالأطفال الذين يقتلون في مناطق عديدة من العالم ويمكن أن تعرض صورهم وأطرافهم المبتورة، فهي قضية تتصل بالمبدأ.

* أي جيل يمكن اأن نطلق عليه الجيل الذهبي للأغنية السودانية؟

ـ الجيل الذهبي للأغنية السودانية، هي الأجيال التي بدأت منذ الفترة التي يطلق عليها «جيل الحقيبة» وجيلنا يمثل الجيل الثالث، فرغم أن الألحان كانت بسيطة وكذلك طريقة تقديمها إلى جانب اعتمادها على جمال الصوت والإيقاعات وعلى آلة الرق، لكنها تميزت برصانة الكلمة. وابرز فناني هذا الجيل كروما وسرور والأمين برهان، ثم تلقف الراية الجيل الثاني وهم حسن عطية وإبراهيم الكاشف وأحمد المصطفى وعثمان حسين، وهؤلاء أدخلوا الآلات الموسيقية الحديثة، ومن بعدهم سيد خليفة، ثم جاءت مجموعتنا وكان أول المتقدمين محمد وردي ثم تبعته أنا ثم محمد الأمين.

* ما رأيكم في الجيل الجديد؟

ـ الجيل الجديد هو جيل هذه الحياة، فالفن مرآة الحياة الاجتماعية، فإذا صلحت تصلح أمور كثيرة من بينها الفن، لكن هذا لا يمنع أن نرى وبوضوح أن الفن الحقيقي موهبة من عند الله وعلى الناس أن يدركوا ذلك، وهذا مدعاة لأن يتأمل الناس أمر الفنون، فإذا بزغ نجم فنان أو فن حقيقي ومقتدر عليهم أن يشكروا الله، لأنه قد يمر جيل وجيلان وثلاثة ولا يظهر فنان حقيقي، فإذا غابت العدالة وغاب المنطق وأصبحت الحياة تقوم على غير ما يفترض، فماذا نتوقع، فالفن الطبيعي ترجمة لحياة الواقع والفنان الحقيقي الذي يملك الموهبة يظهر في كل الظروف. ويجب التفريق بين المعاناة والإحباط، فالمعاناة مدعاة للإبداع، ولا يمكن أن نتوقع أو نتصور فنا راقيا متميزا من الإحساس بالإحباط.

 

المصدر: جريدة الشرق الأوسط