ماذا جرى لموسيقانا في عصر زرياب!

. مقالات

د. رضا العطار

هل تعلم أن العبقري زرياب، الذي ترك بغداد إلى الأندلس عام 860 م، كان قد نقل معه الموروث الموسيقي العراقي الذي قام بمزجه هناك بالأنغام المحلية البدائية وطورها حتى غدت من التحف الفنية.

لي مع هذا الموضوع قصة طويلة. بدأت منذ خمسينيات القرن الماضي عندما كنت مقيما في ألمانيا وانا طالب جامعي، حيث كنت أواظب على حضور حفلات موسيقية نصف شهرية بانتظام. استمع خلالها لمقطوعات موسيقية متنوعة من تأليف كبار الموسيقيين.  كانت جولاتي الأولى استكشافية، ومع ذلك كان مردودها مجزيا. ومع الزمن ازداد عندي الوعي اللازم لحاسة التخيل السمعي المطلوب، فبدأت أفهمها وأحفظ ألحانها، حتى غدوت مسكوناً بها، خاصة بما يتعلق بأعمال الموسيقيين العباقرة من أمثال بيتهوفن وتشايكوفيسكي ويوهان سباستيان باخ.

غير أن ذهني كان يخطف أحيانا أنغاما تتراءى لي وكأن لها رنة الشرق، كانت أكثر سطوعا في الموسيقات الكنائسية، فكنت أسائل نفسي: كيف حدث ذلك، رغم قناعتي بان الأديان السماوية تجمعها إحساسات إيمانية مشتركة، مستوحاة من روحانية الشرق.

وبعد التخرج من الجامعة عام 1964 عدت إلى الوطن ودخلت معترك الحياة.  بدأت أمارس المهنة في بغداد، وانا أخصائي في طبابة العيون وجراحتها، أعمل في المستشفى الحكومي نهارا وفي عيادتي الخاصة مساء، كان الفنان العراقي الشهير محمد القبانجي أحد مراجعيي - وعبر زياراته المكوكية وحلو حديثه، نشأت بيننا صداقة، فكنت أدعوه أحيانا إلى داري لإقامة حفلة غنائية، أدعو إليها بعض الأصدقاء.

وفي إحدى الأمسيات، دخلت مع ضيفي في حوار ثقافي موسيقي، مبديا شكوكي حول وجود صلة ما بين موسيقانا الشرقية والموسيقى الغربية، فأظهر لي عدم معرفته بهذا الضرب من الفن، لكني قلت له: ألا تظن يا أستاذ بان الوشائج التاريخية القديمة في شعاب الأمم المختلفة في محاكاتها الحضارية قد أوصلت موسيقانا إلى الغرب؟

لكنه لم يجب على ملاحظتي بل نظر إليّ مستفهما. غير أني طلبت منه لو تفضل واستمع لمقطوعة كلاسيكية، لكي أعلم مدى تحسسه بأنغامها ومعرفة مضمونها،

كان اسم المقطوعة "براندنبرغ، وعنوانها “ابتهال” وهي موسيقى كنائسية للمؤلف الموسيقي الألماني الشهير يوهان سيباتيان باخ، ولم اخبره بعنوانها عن قصد ـ ـ فأصغى المرحوم القبانجي إليها برفاهة السمع للحظات معدودات، ثم رفع رأسه ونظر إليً منفعلا وقال: دكتور هاي، ابتهالات! وفعلا كانت عبارة Supplication التي تعني ذلك مطبوعة على صفحة الاسطوانة. 

ولم يمض وقت طويل وإذا بي أجد في كتاب “الحرية والطوفان” للباحث العربي جبرا إبراهيم جبرا العبارة الآتية:

"إن الموسيقى الكنائسية التي كانت تعزف من قبل يوهان سبستيان باخ في ألمانيا إبان القرن الثامن عشر قد بنيت على قواعد، فيها شبه شديد بقواعد الموسيقى الشرقية، فالقاعدة الرئيسية في تركيبها هي التكرار والتردد والترادف الموسيقي، طبقا لما هو موجود في مقاماتنا العراقية." 

وبعد فترة من الزمن، وأنا أواصل البحث، وجدت في كتاب "أسرار الموسيقى" للباحث العراقي علي الشوك، قوله في الصفحتين 18 و19: إن جذور تهليلة الهللويا اي ـ الحمد لله ـ التي تحويها بعض القطع الموسيقية الغربية الكنائسية، لها علاقة بالتهليلة البابلية !!!، فقاعدة تركيبهما هي – المتتالية - وان موضوع – الهوكيت - في الموسيقى الغربية، لها علاقة أيضا بالإيقاعات العربية. 

كما جاء في كتاب "تاريخ الآلات الموسيقية" للباحث الانكليزي كورت زاكس الذي يقول فيه "من الثابت أن جميع الآلات الموسيقية الأوروبية جاءتنا من الشرق، و بأكثر من طريق، والآلة الوحيدة التي كنا نحن الأوروبيين نعتبرها من مبتكراتنا وهي "آلة البيانو"، ثبت بنها منحدرة من مصدر عربي أندلسي، أوجدها العراقي زرياب. 

لقد استبشرت خيرا وزدت تفاؤلا، كوني حصلت على معلومات قيمة لكنها لا تكفي لإثبات حقيقة تاريخية، وهي انتقال الموسيقى العراقية إلى الغرب؟

لم يمض كثير من الوقت وإذا بي أعثر على كتاب "الحضارة السريانية حضارة عالمية" لموسى مخول، الذي أورد في صفحة 335 - المعلومة الآتية:

"إن تاريخ الإرث الموسيقي في منطقة الهلال الخصيب قديم، كقدم المنطقة، خاصة بعد أن اقتبس اليهود أثناء (سبي بابل) السلم الموسيقي السومري - إبّان حكم الملك بنوخذ نصر عام 586 ق. م. لكنهم جلبوه معهم إلى فلسطين واستعملوه هناك، (بعد سقوط بابل على يد الحاكم الفارسي كورش 500 ق. م. الذي سمح لهم بالعودة).  أي أن السلّم الموسيقي الذي انبثق من معابد سومر، والذي حمل أولى النغمات الموسيقية في تاريخ العراق القديم، قد تسربت إلى بلدان الهلال الخصيب مع غيره من الموروث الرافدي الثقافي والحضاري".

أقول: وبعد مضي حقبة زمنية ناهزت 1700 سنة على تاريخ سبي اليهود، تعرضت منطقة "الهلال الخصيب" إلى الحملات الصليبية، فكانت جحافل الأوباش الجائعة تتدفق من الغرب باتجاه الشرق، بهدف قتل أبنائه وسرقة ثرواته. كانت سورية التاريخية يومذاك منارا للثقافة والعلوم والآداب والفنون والموسيقى، فضلا عن الصناعات اليدوية ذات الشأن، مثل فن صياغة الذهب في حلب وصناعة الزجاج الشفاف والملون في دمشق، فكان الغزاة ينقلون منهوباتهم عبر البحر المتوسط إلى المواني الايطالية، فلم يتركوا شيئا ثمينا ومفيدا لم تمتد إليه أيديهم، فلا جدال في أن السلم الموسيقي السومري ذا الأرومة العراقية، كان ضمن ما اغتنموه، خاصة لو علمنا أن الحملات الصليبية دامت حوالي القرنين من الزمن!

أما المصدر المباشر الذي اقتبست أوروبا عن طريقه الجزء الأهم من ثقافتنا الفنية، فقد كان الموسيقي العراقي الفذ زرياب، الذي نقل معه إلى اسبانيا الوهج الموسيقي البغدادي الساطع، تلك الموسيقى التي كانت مدارس بلاد الرافدين يومذاك تشمخ بها، فاستقبله الخليفة الأندلسي في العاصمة قرطبة ودعمه ماديا ومعنويا.

وبعد أن استقر به المقام، قام زرياب في جمع القواعد النظرية والرموز الماورائية والتنجيمية، وكذلك هذّب النظام الصوتي والنمطي والجوفي للنوتات الموسيقية التقليدية الأربع والعشرين، ثم قام بفرض السمات المتعلقة بالمزايا والأمزجة المتوافقة مع المقامات العراقية، 

ومزجها بالموسيقى الغربية السائدة مزجاً رائعاً حتى أبتكر منها نمطا جديدا ومقبولا، فموسيقى زرياب سر من الأهواء، يبتدع الخيال الخصب من حب وحزن وفرح، يتجاوز حد الأحلام، فضلا عن أنه أضاف إلى أوتار عود أستاذه إسحاق الموصلي في بغداد، وترا خامسا. كما استحدث "مضرابا" من قوادم النسر.  فغدا أهل اسبانيا يعشقون موسيقى زرياب ويتغنون بالحان زرياب، ولا تزال القيثارة الإسبانية حاليا، هي قيثارة زرياب.

في عصر زرياب استقبل الأوروبيون الأنغام الموسيقية القادمة من الشرق بحماس وسرور.  

 

ملاحظة على المقالة أعلاه:

تنطوي هذه المقالة، ولا سيّما في قسمها الأخير، على مبالغات تجاوزت حد الإفراط بخصوص "أثر زرياب" في الأندلس. وحتى لا نجانب الحقيقة يكفي أن نحيل القارىء إلى ما أورده المقري في كتابه "نفح الطيب"، ففيه ما يكشف عن جوهر إنجازات زرياب الفنية، وهي التي تكاد تنحصر في "إضافة وتر خامس إلى أوتار العود، واستبدال مضراب هذه الآلة، وإشرافه على (دارالمدنيات) التي أنشأها الخليفة الحكم الثاني في قرطبة، حيث كان زرياب يلقن (الأصوات) البغدادية وفق طريقة أستاذه إسحاق الموصلي". أما المستحدثات الفنية الكبرى من قبيل ابتكار "الموشح"، وبناء "النوبة"، فقد تأجل ظهورها إلى ما بعد عهده. 

 

                                                         عبد العزيز ابن عبد الجليل


.