الأكورديون من المحلية إلى العالمية

. مقالات

محمد محمود فايد

رغم أن جذور آلة الأكورديون Accordion يعود تاريخها لآلاف السنين، إلا أنها لم تشتهر في أوروبا، إلا إبان القرن التاسع عشر، كآلة نفخ شعبية، زودت بلوحة مفاتيح، تعتمد على دفع الهواء بواسطة منفاخ باليد إلى مزامير صغيرة، بعدد المفاتيح، لتصدر أصواتاً ممتدة، أو متقطعة، وفقاً لمهارات العازفين.  لقد أُخذت فكرتها من آلات قديمة كبيرة الحجم، مثل: الأرغن، والهارمونيوم، وتم تعديل مصدر النفخ فيها إلى منفاخ ذي طيات، يضغط باليد، به صمام لسحب الهواء إليه، وآخر لدفعه إلى الداخل، مع سحبه فارغاً لإعادة ملئه، ودفعه ثانية إلى المزامير الصغيرة الكثيرة، التي تتحكم فيها أيضاً صمامات بمفاتيح، تسمح بمرور الهواء إلى الدرجة الصوتية المطلوبة، أي إلى مزمارها المعين عند الضغط على المفتاح المخصص له في اللوحة، مما أتاح تصغير لوحة المفاتيح في الآلات الكبيرة المتشابهة في المبدأ إلى ديوانين (أوكتافين) أو ثلاثة أو أربعة، طبقاً لحجم الآلة. أما فكرة تخزين الهواء، وتركيزه، ودفعه من مصدر واحد، فترجع إلى آلة الـ "شينج" الصينية القديمة التي ابتكرت منذ 3000 عام تقريباً، ومنها كانت الفكرة التي بنيت عليها آلة الأرغن بأحجامها المختلفة، ثم الهارمونيوم الأبسط، الصغير حجماً، إلى الأكورديون النقال، الأصغر حجماً، الذي يحمله العازف بواسطة حزام يعلق في الكتفين.

 

التكوين والتطور

للأكورديون صندوق مستطيل مصنوع من الخشب المغلف بالميناء البلاستيك، وله منفاخ من الجلد أو المواد المرنة، وهو متداخل ذو طيات، يجذب الهواء عند شده إلى الخارج، ليندفع إلى الداخل عند الضغط على المفتاح باليد اليسرى، وبعدها يندفع الهواء بدوره إلى المزامير المعدنية الصغيرة ذات الريشة الواحدة المصفوفة وكلها ذات حجم واحد.  لكل مزمار درجة صوتية محددة تضبط بواسطة اختبار حجم أو سمك الريشة. ويستطيع العازف استخراج صوتها عند الضغط على مفاتيح أو أزرار الآلة على اللوحة التي تشبه لوحة البيانو أو الأرغن ذات الأصابع البيضاء والسوداء المعروفة.

هذه الآلة كان يستخدمها الجوالة أصحاب الغناء الشعبي في أوروبا، وأراد بعض المصريين استخدامها بعد تطويع أنغامها وتعديل أصواتها كي تقترب في السماع من الأنغام والألحان في بعض مقامات الموسيقى العربية (غطاس عبد الملك الخشبة: آلات الموسيقى الشرقية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2009م، ص89). لكنها، رغم التطويرات الآلية التي أدخلت عليها، لا تزال بحاجة إلى المزيد من استكمال التطوير، وصولاً لتنفيذ المزيد من الأنغام والألحان على المقامات العربية والشرقية المختلفة بشكل أكثر عمقاً موسيقياً، وتعبيراً غنائياً. وهي تستخدم في الأفراح الشعبية والريفية بمصر.

في منتصف عام 1800م أحضرها المهاجرون إلى ولاية تكساس، حيث اتخذت، في ما بعد، شعاراً للمجموعات الإثينية والعرقية الموجودة في الولايات المتحدة الأمريكية خصوصاً والقارة الأوروبية عموماً، حيث وجدت شراكة ثقافية وفنية، بين تلك المجموعات الإثينية بموروثاتها الموسيقية، وبين موروثات سكان البلاد الأصليين.

ويرى د. فتحي الصنفاوي، أن العالم عرف هذه الآلة بدءاً من العام 1822م على يد المخترع الألماني بوشمان (تاريخ الآلات الموسيقية الشعبية المصرية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2000م، ص118).

وفي العام 1829م أجيزت براءة اختراع في النمسا لآلة أطلق عليها رسميا (الأكورديون)، وسرعان ما اشتهرت في جميع أنحاء أوروبا من أيرلندا إلى روسيا. وتعددت استخداماتها، وأحجامها، وطرق ضبطها. كما اجتذبت الشعراء والموسيقيين الشعبيين، فقاموا بتكييفها، لتتناسب مع طبيعة موسيقاهم وأغنياتهم الفلكلورية (د. ياسمين فراج: المناهج النقدية في الموسيقى العربية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2016م، ص166).

في البداية، كانت للنماذج الأولى من آلة الأكورديون، لوحة ذات أزرار متجاورة ليست على نهج لوحة البيانو، ومنها ما كان له بوق لتكبير الصوت ظهر عام 1912م في ألمانيا.

وجميع النماذج، يحملها العازفون وقوفاً أو جلوساً، معلقة على الأكتاف. وهناك لوحة لليد اليمنى بها لوحة مفاتيح لأداء الحركة اللحنية الميلودية أو الهارمونية (بالضغط على أكثر من مفتاح في وقت واحد)، بينما اللوحة الأخرى التي تطاولها أصابع اليد اليسرى، فهي ذات أزرار (وليست مفاتيح) مخصصة للمصاحبة الهارمونية وعزف الباص المتصل أو الموقع .. إلخ. وبذلك تمتلك تلك الآلة منفردة وحسب مقدرة العازف الفنية وخبرته، عزف الميلوديات والهارمونيات إلى جانب التراكيب البوليفونية بمفردها أو مجتمعة.

 

شعبياً وتربوياً

منذ العام 1920م انتشرت الآلة في معظم أنحاء العالم، وأصبحت آلة مصاحبة لفرق موسيقى الجاز والفرق الموسيقية الخفيفة والراقصة، وغيرها، وتحولت إلى شعبية تماماً في الكثير من الدول، مثل: فرنسا، حيث صنعت منها أنواع وأحجام عديدة، ومنها "ماركات" شهيرة جداً تخصصت في صناعتها وإنتاجها شركات، مثل: هوهونر الألمانية. ومنها آلات صغيرة للهواة، وأخرى بإمكانات كبيرة للمحترفين.

دخلت آلة الأكورديون مصر منذ خمسينيات القرن العشرين، وخلال سنوات قليلة انتشرت بشكل كبير، وبخاصة في المدن، من خلال فرق موسيقى الهواة والمحترفين، وفرق الغوازي والعوالم والموالد والأفراح والملاهي. ودخلت أيضاً فرق الموسيقى العربية والمصرية المشهورة، والفرق المصاحبة للاستعراضات، وغيرها.  ولخفتها وسهولة حملها ونقلها، استخدمت في تعليم الموسيقى بالمدارس والمراحل التعليمية المختلفة، والمعاهد الموسيقية، وقصور الثقافة.

أغنت آلة الأكورديون عن العزف على آلة البيانو التي تعتبر بالمقارنة غالية الثمن.  ثم بدأت آلة الأورغ الكهربائي تحل محل الأكورديون نظراً للبساطة التي تمتعت بها الآلة الجديدة وسهولة عزفها وإمكاناتها المختلفة، ومن تلك غناها في إصدار أصوات الآلات والإيقاعات والتراكيب الهارمونية المختلفة.

كان لإدخال بعض التعديلات الفنية البسيطة على الأكورديون بإضافة أزرار ومفاتيح تتيح للعازف الحصول على الدرجات الخاصة بالمقامات الموسيقية العربية ذات ثلاثة أرباع الصوت أثر كبير في زيادة انتشارها بعد أن أصبح عازفوها أعلى قدرة على أداء كافة تكوينات وتراكيب السلم الموسيقي والمقامات، مثل: العجم، النهاوند، السيكاه، الراست، البيات، وغيرها.  وذلك ما أتاح لها الانتشار في كافة أرجاء العالم.

المصدر: المجلة العربية السعودية

 

.