شعرية التعبير والتطريب في أداء القصيدة عند علي الحجار - "جفنه علم الغزل" نموذجاً

. مقالات

بقلم : عبد القهار الحجاري

 

يتميز صوت الفنان علي الحجار بشساعة مساحته وقوته وحلاوته، وقد وفق إلى حد بعيد في غناء القصيدة العربية، خاصة واحدة من أصعب الأعمال التي قامت على تصور حداثي عميق يتمسك بالهوية وينفتح بشكل خلاق على الإرث والإبداع الموسيقي ذي الطابع الغربي. والعمل لرائد الحداثة الموسيقية العربية موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب الذي لم يتردد في إبداء إعجابه بقدرات علي الحجار الصوتية وأدائه الغنائي وأعماله، ويتعلق الأمر هنا بأغنية "جفنه علم الغزل".

نحاول في هذه المساهمة المتواضعة التوقف عند بعض لحظات أداء علي الحجار لهذا العمل الغنائي المتميّز لإبراز شعرية التعبير باعتبارها تجلياً لجماليات الأداء حين يحقق الوظيفة التصويرية للدلالات المصوغة بلغة الفن الموسيقي، كما نتوقف عند شعرية التطريب متمثلة في قدرة علي الحجار على التأثير وتحقيق نشوة الطرب والسلطنة، وكيف تبدو جمالية الغناء لديه من خلال تميّز أدائه لهذه القصيدة ببصمته الخاصة.

 

1.       المنحى الحداثي للأغنية

تعتبر أغنية "جفنه علم الغزل" فتحاً موغلاً في الحداثة الموسيقية العربية، وتتميز بفرادتها التي تنبع من طابعها الخاص، ولا زالت تتمتع بجاذبيتها وسحرها إلى اليوم، نظمها بشارة الخوري(1) على الخفيف الشبيه هنا بمجزوء المتدارك(2) ولحنها وغناها محمد عبد الوهاب بأسلوب جديد مغاير تماما لتلحين قصائده من قبل، وهي أكثر حداثة مما كان مألوفا أواخر العشرينيات وبداية الثلاثينيات من القرن الماضي، سجلها على أسطوانات بباريس وقدمها في فيلم الوردة البيضاء سنة 1933.

لحن محمد عبد الوهاب القصيدة في مقام عجم الراست وهو مقام دو الكبير في الموسيقى الغربية، يخلو من السيكاه، ويتكون من بعد كامل بين درجات (دو- ري)، (ري- مي)، (فا- صول)، (صول- لا)، (لا- سي)، بينما يأخذ نصف البعد موقعه بين الدرجات (مي- فا)، (سي- دو)،  وهي كلها أبعاد وأنصاف أبعاد  طبيعية ليس بها تحويلات، ويشكل هذا المقام قاسماً مشتركاً رئيساً بين الموسيقى العربية والموسيقى الغربية.

هذا أساس أول للطابع الخاص لهذه الأغنية ضمن الحداثة الموسيقية عند محمد عبد الوهاب، حيث لم يحبس لحنه هذا في مقام يحتوي السيكاه، وهي مسافة تمثل خصوصية نغمية شرقية غير مستساغة لدى الأذن الغربية، كما أن درجة الراست (دو في السطر الإضافي الأول أسفل المدرج) أساسية أيضا في البناء النغمي الغربي، ولو أن دو الكبير قراره يمكن أن يكون أي درجة تحمل اسم دو في المساحات النغمية الممكنة وفقا لللسلم الموسيقي السباعي.

أما الأساس الثاني لحداثة عبد الوهاب في أغنية "جفنه علم الغزل" فهو توظيفه  إيقاع "الرومبا"(3) الذي أخذه من الإسهام الموسيقي الغربي في توجهين متوافقين: توجه عالم، نهل فيه من توظيف الموسيقى الغربية للرومبا الشعبية، وتوجه شعبي وهو الينبوع الأصلي لهذا الإيقاع الرباعي المرح، وظفه محمد عبد الوهاب في خطوة حداثية متقدمة توجه فيها نحو الموسيقى الغربية وموسيقى الشعوب لينهل منها ويؤسس لبناء فني متفرد وذي آفاق عالمية.


2.     شعرية التعبير 

تتكون أغنية "جفنه علم الغزل" من عشرة أبيات مفعمة بالانزياحات والصور الشعرية القوية، كثفها اللحن في شحنات تعبيرية ناضحة بالجمال الفني، استطاع علي الحجار باقتدار عال إبرازها بصوته الدافئ القوي ذي المساحة الشاسعة، وقد وفق بامتياز في توظيف إمكانياته الصوتية الهائلة لأداء اللحظات التعبيرية بأسلوبه الخاص، إذ لم يكتف بتقديم الجمل اللحنية كما صاغها محمد عبد الوهاب، بل برع في التعبير عن المعاني العاطفية والصور الشعرية التي تحفل بها القصيدة.  ونتوقف هنا عند مطلع القصيدة لإبراز شاعرية التعبير في أداء الفنان علي الحجار.

في غناء الحجار لهذه الأغنية الصعبة المحبوكة بحرفية عالية ينبجس الإحساس ويتدفق في المذهب (مطلع القصيدة):

                         جفنه علم الغزل        ومن العلم ما قتل

مترفقاً ومتمهلاً بغناء هادئ دافئ في الكلمة الأولى (جفنه) ليرتفع في عبارة (علم الغزل)، ومن التعبير الناعم ثم المنفعل بهدوء في صدر المذهب إلى الإحساس الطافح باللوعة في الشطر الثاني (ومن العلم ما قتل)، يعود اللحن إلى القرار مع الجملة الموسيقية الجوابية ثم الإيقاع على الراست وهو المسيطر في العمل برمته.

في البيت الثاني لحظة تعبيرية حارقة تفنن علي الحجار في توقيعها ببصمته الصوتية المتميزة وهو يبرز دلالة الحرق الجميل مع تصاعد الجملة اللحنية (فحرقنا نفوسنا في جحيم من القبل) ليطيل في ميم حرف الجر (من) (من القبل) بحس مرهف ملتهب قبل أن يتجاوب معه تعبير الجملة الموسيقية الجوابية في إبراز الصورة الفنية لحرارة اللقاء و"جحيم القبل" بالصعود في قوة والانحدار من جديد نحو القرار المحتضن للرومبا المرحة.


3.     شعرية التطريب 

توجد لحظتان تمثلان ذروة التطريب والسلطنة في أداء علي الحجار لأغنية "جفنه علم الغزل" في بداية البيتين الخامس (هاتها ها ها هاتها) والسابع في موال ( يا حبيبي!)، في كليهما يبرز الفنان علي الحجار قدراته الصوتية الهائلة خاصة مساحته الممتدة من عمق الجهير إلى أعلى الصادح.

يؤدي الحجار الجملة اللحنية كما هي في الأصل ثم يعيدها بأسلوبه متنقلا بقوة لا تكل بين درجات عجم الراست، ولا يكتفي بهذا القرار بل ينزل درجات أخرى بفخامة وجهارة ووضوح وقوة، ويعود يصعد ويعلو إلى الجواب محافظا على حلاوة الأداء وطربه وعمقه التعبيري، مع العلم أن الرومبا مسيطرة والموال من طبعه متحرر من الوزن، ارتجالي أساسا، وهنا تميّز علي الحجار حيث يعطي الانطباع للمتلقي أنه يرتجل بحرفية عالية في توافق مع إيقاع الرومبا المتحرك المرح، فاستطاع باقتدار عالٍ أن يؤدي بطريقته المائزة هذه اللحظة الإبداعية الجميلة.

لو أن الفنان علي الحجار كان قدم الجمل اللحنية كما صاغها وأداها محمد عبد الوهاب لما كان من داعٍ لتقديمها، ولكنه بذكائه الموسيقي استطاع أداءها بإتقان، علما بأن الرومبا قد وظفت هنا ضمن الروح الشرقية العربية، ما جعلها عملاً فذاً غير مسبوق.  وعلاوة على ذلك بصم علي الحجار أغنية "جفنه علم الغزل" بطابعه الخاص النابع من قدراته الصوتية الكبيرة مستنفرا مساحته وإمكاناته الفنية في أداء مائز.

تدمج هذه الأغنية في تضافر خلاق البعدين التعبيري والطربي.  وزاد أداء علي الحجار المتفرد لها انتشاراً وشهرةً في صفوف الأجيال الجديدة بفضل تحقيقه لفرادة الغناء لجنس القصيدة بشكل عام والذي غالبا ما يهابه الملحنون والمطربون، والقليل من الجمهور يستطيع تذوقه، نظرا لعمق وصعوبة بنائه الفني.  ويمكن القول إن الفنان علي الحجار قدم رؤية جديدة للقصيدة من خلال أدائه المبدع لرائعة موسيقار الأجيال "جفنه علم الغزل" ما يحدونا لدعوته إلى الاهتمام أكثر بالقصيدة لتأخذ مكانتها ضمن سجله الحافل بالإبداع الغنائي الجميل إلى جانب الأغنية العصرية المكتوبة بالعامية.  وسيكون لهذا التوجه لا محالة أثر قوي في تعزيز الذائقة الفنية الرفيعة لدى الجمهور بفضل الروح الخلاقة المبدعة لهذا الفنان المبدع


________________________________
(1)
بشارة الخوري (1968- 18884م) شاعر لبناني لقب بالأخطل الصغير، نظرا لتأثره بشعر الأخطل التغلبي (710- 640م) عرف بتأنق لغته الشعرية، وهو إلى جانب جرير والفرزدق يعدون أشهر شعراء العصر الأموي.

 (2)يتكون الخفيف من فاعلاتن مستفعلن في الشطر وليس من المتدارك المكون من فاعلن أربع مرات في الشطر، ومجزوؤه يكون بحذف التفعيلة الرابعة، لكن عروضها وضربها جاءا محذوفي السبب الخفيف في أولهما، في قصيدة "جفنه علم الغزل" وذلك خلافا للقواعد المعيارية، ما جعل هذا البحر عند بشارة الخوري في هذه القصيدة قريبا من البحور النبطية وتحديداً بحر الهجيني وله نفس الوحدات الإيقاعية: فاعلن فاعلن فعو//  فاعلن فاعلن فعو، وهو نهج الكثير من شعراء الحداثة.

((3إيقاع الرومبا من جنس 4/4 ذو أصل إفريقي ظهر وتطور في كوبا حيث اشتهرت رقصة رومبا في القرن التاسع عشر وانتقلت إلى أوروبا في مطلع القرن العشرين.