حماية الموسيقى في عالم الإسلام وتحديات الهجرة واللجوء

. مقالات

خاص بالمجمع العربي للموسيقى

احتضنت مدينة أصيلة المغربية في الخامس والسادس من شهر تموز/يوليو الفائت مؤتمراً دولياً بعنوان "صون الثقافات الموسيقية وانتقالها في عالم الإسلام".وجاء انعقاد هذا المؤتمر بتنظيم مشترك بين مؤسسة منتدى أصيلة ودار ثقافات العالم،وذلك بعد مرور 12 عاماً على تنظيمهما مشتركين مؤتمر "الموسيقى في عالم الإسلام" الذي انعقد في حينه في مدينة أصيلة نفسها.

وفي حين حضر المؤتمر الأول الذي استمر لستة أيام في صيف 2007 خمسون متخصصا في تقييم التقاليد الموسيقية في العالم الإسلامي، اشترك في المؤتمر الأخير ثلاثون باحثاً وباحثة في العلوم الموسيقية من أثيوبيا، أفغانستان، ألبانيا، ألمانيا، إيران، إيطاليا، باكستان، بريطانيا، تركيا، الجزائر، السنغال، سوريا، الصين، طاجكستان، العراق، فرنسا، كندا، لبنان، مصر، المغرب، الهند، اليمن.  ومن المدعوين إلى المؤتمر من سبق لهم أن عملوا على المشاريع  التي جاءت ترجمة عملية لتوصيات المؤتمر الأول، ومنهم أيضاً من جرى اختياره من جيل الباحثين والموسيقيين الشباب المهتمين بدراسة سُبُل انتقال الممارسات الموسيقية التقليدية في العالم الإسلامي.

وجاء المؤتمر الثاني بعد أن رأى المنظمون ضرورة مراجعة التوصيات التي صادق عليها المؤتمر الأول لمعرفة وتقييم ماذا تحقق منها، والنظر في التطورات التي يواجهها عالم الإسلام اليوم، بالإضافة إلى الإجابة عن الأسئلة التي تطرحها ثقافات العالم الإسلامي حيال الممارسات والمعارف الموسيقية المعاصرة والمستجدة.  وفي افتتاح المؤتمر شدد الأمين العام لمؤسسة منتدى أصيلة، وزير الخارجية المغربية الأسبق، محمد بن عيسى على أن العالم الإسلاميّ يمرّ حالياً بتغيرات تتوالى بصورة سريعة سواء من حيث تنقل الشعوب والمعارف أو من حيث الممارسات الثقافية.  وبالإضافة إلى ذلك، فإن بعض الدول وبعض الثقافات تواجه ظروفاً تطبعها نزاعات وأزمات سياسية واقتصادية ودينية.  ومن جهته، بدا لرئيس دار ثقافات العالم، شريف خزندار، أن قضايا الحفاظ وتواصل المعارف الموسيقية مسألة حاسمة، ومن الضروري التساؤل معها عن الأساليب التي يمكن إتباعها من أجل الحفاظ على موسيقى الأجيال المقبلة، وعلى إدامة المستجدات التي تعرفها التقاليد، كما الحفاظ على التواصل بين الأساليب الموسيقية المتنوعة وممارساتها، مع الأخذ بعين الاعتبار الآليات الجديدة المتوافرة اليوم، والتنبه إلى الأخطار المتوالية.

تمحور المؤتمر، من خلال جلساته الأربع، حول إشكالية الحفاظ على الثقافات الموسيقية في عالم الإسلام وانتقالها.فقد عاينت الجلسة الأولى موروث "مؤتمر الموسيقى العربية الأول" المنعقد في القاهرة سنة 1932، وذلك بعد أن قامت هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة، بالتعاون مع المكتبة الوطنية في فرنسا، بترقيم مجموع تسجيلات مؤتمر القاهرة ونشرها، إنفاذا لتوصية مؤتمر "الموسيقى في عالم الإسلام" في أصيلة، سنة 2007 . وكانت الجلسة الأولى فرصة للتوقف عند أساليب الحفاظ على التقاليد الموسيقية الممكنة في هذه الأيام.

وتولت الجلسة الثانية دراسة الموسيقى الحميمة في حياتنا اليومية بالاعتماد على نماذج من أغاني المهد التي قامت هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة مؤخراً بإصدارها في شكل أنطولوجيا مسموعة  ومرئية.  وكانت هذه الجلسة بذاتها مناسبة أيضاً للقيام بدراسة أنواع محددة من الموسيقى قلَّما تمت دراستها والتي هي موسيقى تشترك فيها جميع ثقافات عالم الإسلام.  وبما أن الموضوع يتعلق بالممارسات الموسيقية اليومية، فقد جرى النقاش داخل الجلسة حول الأساليب المتبَّعة في جمع مختلف الأشكال الموسيقية وتدوينها والتوقف عند دور الباحث في الحفاظ على الأشكال والممارسات الموسيقية الحميمة والدعوة إلى تلقينها للأجيال المتلاحقة.

وفي الجلسة الثالثة التي استُهّلَ بها اليوم الثاني للمؤتمر، تباحث المشاركون في إشكاليات الأساليب الموسيقية والإبداع الموسيقي في ظروف الهجرة واللجوء، وبخاصة بعد أن تزايد الاهتمام بالإبداعات الموسيقية خلال العشرين سنة الأخيرة نتيجة الاختلالات السياسية والاقتصادية التي شهدها العالم، وكذلك تزايد الاهتمام بالرغبات الفنية للمهاجرين في اكتشاف الموروث الموسيقي وتقاسمه في الشرق كما في الغرب والشمال والجنوب.ومن القضايا التي تناولتها هذه الجلسة، إمكان الحفاظ على الممارسات الموسيقية في ظل الأزمات، والتداول في الظروف المتاحة، وفي كيفية الانفتاح على ثقافات موسيقية أخرى دون خسارة هوية الثقافة الموسيقية التي هاجرت مع ممارسيها.

وفي أعقاب الجلسة الثالثة، تناولت الجلسة الرابعة والأخيرة ما اعتُبِر مناظرة بين مختلف وجهات النظر حول إشكالية الانتقال الموسيقي. بحيث طُلب إلى المتخصصين الموسيقيين وممثلي المؤسسات الموسيقية،وضع صيغة مشتركة لتجاربهم وتصوراتهم من أجل اقتراح خطط تسمح بمواصلة الإبداع، والبحث، وعرض الأساليب البيداغوجية العملية التي من شأنها المساعدة على ذيوع المعارف دون المسّ بالخصوصية الثقافية لتلك الممارسات الموسيقية.

وفي نهاية أعمال المؤتمر جرت المصادقة على توصية جديدة تُعنى بوضع مشاريع جديدة لآليات المحافظة على انتقال الممارسات الموسيقية وإذاعتها.

وتسعى مؤسسة منتدى أصيلة ودار ثقافات العالم إلى متابعة مشروعهما الرامي إلى التوعية  بالثروة الموسيقية في عالم الإسلام، وتنوع مختلف الأساليب الموسيقية المتبعة لتحقيق ذلك وبخاصة من خلال تحفيز الباحثين الموسيقيين وعامة الشغوفين بالموسيقى على القيام بذلك.