الشجن والحزن في الموسيقى العربية

. مقالات

 فتحي الضمور

تكاد الموسيقى تكون العنصر الوحيد الذي لا تنطبق عليه فكرة المثل الذي يتردّد على ألسنة الكثيرين: “لولا اختلاف الأذواق لبارت السلع”؛ إذ أنّ هكذا عبارات ما جاءت إلا لتخفيف وطأة القبح في كثير من تفاصيل الحياة، واتكأ على مثل هذا المبرّر من لا يحسن فنّ الاحتراف.

لكنّ الموسيقى على اختلافها غير قابلة لتأويلات مجتمعية، ولا تخضع لمعياري الإبداع والجمال. لأنّ الموسيقى واضحة لكافة كائنات الطبيعة، فهي إمّا عذبة، وإما غير مرغوب بها، وسأتناول في ذلك الشجن والحزن في الموسيقى العربية، بما يفيد التعريف بهما كما ينبغي وينسجم ومفاهيم النغم.

الشجن والحزن يشبهان مريضين، أحدهما يدخل العملية تحت تأثير المخدّر، والآخر يدخلها دون تخدير، فنجد الأول يخرج منها بشيء يدغدغ جرحه، أمّا الآخر فهو من أول العملية إلى آخرها يتعذب في جراحه وأوجاعه.

وحتى نتبيّن ذلك أكثر لا بدّ من تعريف الشجن والحزن في اللغة.  نجد بأنّ الحزن في اللغة، بفتح الحاء، هو الهمّ والغمّ والكدر والكرب، وكلّ هذه المفردات منفرة، ومدعاة إلى البؤس والكآبة.  أما الشجن فهو وإن كان ملازماً للحزن يعتبر أخفّ وطأة منه؛ فنقول: حديث ذو شجون، أي ممتع، ونقول: مثير للشجن، أي محرّك للعواطف والمشاعر.  من هنا ندرك الفرق بين دلالة الحزن ودلالة الشجن.

وما يعنينا هنا مدى تأثير مدلول المفردتين في الموسيقى العربية، وكيف يتأثر المستمع العربيّ بهما. فلو سمعنا أنغام الآلات الموسيقيّة، فبكلّ تأكيد يختلف النغم بين آلة وأخرى، فآلة العود مختلفة عن آلة الناي، وآلة الكمان مختلفة عن آلة البيانو، وهكذا. حتى في المقامات الموسيقيّة العربية، نجد مقام “الصَبا” أكثر قرباً للحزن منه للشجن أو الفرح، ومقام “الراست” أكثر قربا للطرب والشجن، بالرغم من أنّ المقارنة مرفوضة، لأنّ لكلّ مقام خصوصيته وسمته الخاصة به.

لن أبتعد كثيراً عن موضوعي الرئيسي، حتى لا أشتبك مع القارئ في متاهات تأخذنا إلى طريق غير الذي نريد.  أعود لأتناول الأغنية العربية في تأثيرها على النفس العربية، فهي تكمن أهميّتها في أنّها تحرّك عواطف المرء، وتأخذه إلى عوالم أخرى محلقة به في الفضاء الرحب.  فالكلمة وإن كانت مؤثرة، وتنفذ كالسهم إلى قلب القارئ أو المستمع، إلا أنّ الموسيقى تجعلها أكثر تأثيراً وأهميّة وأشدّ قوة؛ ويبدو ذلك واضحاً في قراءة القرآن، أو ترتيله، أو في قراءة قصيدة الأطلال من إبراهيم ناجي، أو سماعها من أمّ كلثوم، فلا أحد يختلف في أنّ الموسيقى تجعل من الكلمة سيفاً أو ورداً.

أمّا وقد انتهيتُ من معنى الحزن والشجن، والفرق بينهما، فإنّي لا أجد نفسي إلا أمام بعض الأغنيات العربيّة التي تهذب النفس وتمنحها الراحة والهدوء لتستكين في ألمها باتزان ومحبة،  كما يحدث في أغاني فيروز، التي تؤديها بأناقة وهدوء، فتحرّك فينا جراحنا وآهاتنا، وكأنّنا نقول لها: ” هل من مزيد ” فتسمع ” من عز النوم، ولما عالباب، وأسامينا، وليلية بترجع يا ليل، ويا عصفورة الشجن ” والكثير من أغانيها التي تدغدغ الألم فينا بتؤدة.  كذلك في أغنيات فايزة أحمد وأم كلثوم وعبد الحليم حافظ ومحمد عبد الوهاب ووديع الصافي وغيرهم.

أمّا إذا أردنا الحزن بعينه، فما علينا إلا أن نستمع للون الفراتي الذي يدعو، وإن كان الجرح بسيطاً، إلى اللطم على الوجه حتى الموت من الوجع والحزن الشديدين.  وقد نجد من يروق له ذلك، فيجلد ذاته وينتقم من نفسه دون رحمة أو هوادة.  إضافة إلى ما يشبه ذلك في بعض الأغاني المصرية التي انتشرت على لسان بعض المطربين كحسن الأسمر وغيره.  الشجن نغم راقٍ ومقبول، والحزن جملة مرفوضة حتى لو كانت على لسان رسول.

 

المصدر: موقع الجسرة الاماراتية الثقافي