التصوف في الأغنية الكويتية

. مقالات

   تتعدد بنية الاغنية الكويتية تبعاً لطبيعة ثقافة المجتمع المنبثقة منه، فالفن هو النشاط الانساني الذي يعكس ثقافة المجتمع بصورة جمالية، حيث تُقسم الأغنية الكويتية إلى الفنون البحرية المتصلة بالعمل الذي يمارسه البحارة كطلاء السفينة والابحار ورفع الاشرعة والرسو ... الخ، التي تضم فنون الحدادي بأنواعه المختلفة والياملي والدواري والنهمة والسنجني، فنون المدينة كفن الصوت، وفنون القرية مثل السامري والخماري والقادري، وفنون البادية كالعرضة والفريسني والمجالسي.

 والذي يُميز كل فن من هذه الفنون المتنوعة عن بعضها الآخر هو الايقاع وطبيعة الجُمل اللحنية والشعرية لكل فن منها، إلا أن الايقاع هو أساس الأغنية الكويتية.

   ولا نعلم تاريخ ولادة هذه الفنون بالتحديد، انما يمكن القول انها نشأت بعد مضي عدة سنوات من تأسيس الكويت عام 1613 من خلال احتكاك أهل الكويت بالثقافات المجاورة كبلاد فارس والعراق والهند واليمن وشرق افريقيا، وهذه الفنون تؤدى من خلال الغناء الجماعي الذي يتخلله الرقص والتصفيق بدون آلات موسيقية سوى الإيقاعات، وظلت هذه الفنون المتنوعة تُمارس وتتداول جيلاً بعد جيل من خلال الفِرق الموسيقية "الشعبية" على مر السنين .

فن المالد

   المالد نسبة الى مولد النبي محمد في يوم 12 ربيع الأول من السنة القمرية ، حيث يحتفل العديد من المسلمين في البلاد المختلفة بذكرى المولد النبوي بأشكال مختلفة يغلب عليها الأناشيد الدينية ومدح النبي .

    وكانت ذكرى المولد النبوي تحظى باهتمام أهل الكويت قديماً؛ ففي هذه المناسبة يتجمعون في المساجد والدواوين والمنازل ويحتفلون بقراءة قصة المولد النبوي، ويكون يوم عطلة لطلبة المدارس والموظفين حتى يومنا هذا، وندلل على هذا الاهتمام أن أول دعوة عامة لإنشاء مدرسة نظامية حديثة في الكويت قائمة على التعليم المدني كانت من خلال كلمة  ألقاها الشيخ ياسين الطبطبائي (1860-1918) في يوم الاحتفال بالمولد النبوي عام 1910 الذي قال فيه: "ليس القصد من مولد النبي تلاوة المولد، وإنما القصد الاقتداء بما جاء به النبي-صلى الله عليه وسلم- من الأعمال الجليلة، ولايمكننا الاقتداء به إلا بعد العلم بسيرته، والعلم لا يأتيكم اليوم إلا بفتح المدارس المفيدة، وإنقاذ الأمة من الجهل".

   وكان انشاء أول مدرسة نظامية أهلية في الكويت في يوم المولد النبوي عام 1911 "مدرسة المباركية" .

بفضل جهود مجموعة من رجالات الكويت وعلى رأسهم الشيخ يوسف بن عيسى القناعي.

   ونظراً لاهتمام الكويتيين بالاحتفاء بذكرى المولد النبوي تشكل فن صوفي حمل اسم "المالد"، وتم ممارسته من قبل الرجال والنساء، حتى أصبح فناً ذو قالب قائماً بذاته يُمارس طوال أيام السنة. عبارة عن انشاد مدائح بدون آلات موسيقية أو إيقاعية تتضمن سرد قصة المولد النبوي، وكانت القصة -التي تباع آنذاك في الأسواق- لا تتعدى ما كتبه الشيخ البرزنجي، إلا ان الشيخ المستنير عبدالله النوري (1905-1980) قام بتوثيق مجموعة من الخطب التي ألقاها في حفلات المولد النبوي ووضعها في كتاب وذكر في مقدمته : "... ولما كنت حريصاً على جمع ما قلته في هذه الحفلات من كلمات في ذكرى المولد، أو الإسراء، أو الهجرة، فقد أحببت أن أنشر هذا، لعل قارئاً ينتفع أو سامعاً يعتبر، فإن فيما قيل في هذه الحفلات ذكرى، والذكرى تنفع المؤمنين".

   ويُؤدى من خلال المنشد الذي يكون له الدور الرئيسي في المالد، ذو الصوت الحسن والنفٓس الطويل، وتكون الجملة اللحنية ذات طابع صوفي عادةً لا تتجاوز أول أربع درجات نغمية من السلم المقامي، ويجلس المنشد مع مجموعة من الحاضرين (الكورال/البطانة/الرديدة/السنيدة/الكورس) يجلسون نصف جلسة سيقانهم على الأرض ويرفعون جذعهم للأعلى وتنحني صدورهم للأسفل وترجع للخلف ويترددون "الله .. حي" و "اللهم صل وسلم عليه" .

 

   ومن أشهر الفنانين الذي تناولوا فن المالد بالكويت هو الملا محمد الدوب الذي ذاع صيته منذ أربعينيات القرن العشرين، وهذا تسجيل فيديو لمالد أداء الملا محمد الدوب من مقام البياتي يبدأه بجملة لحنية مُحكمة شديدة الرصانة.

 "صلوا عليه وسلموا تسليما .. حتى تنالوا جنة ونعيما"

 ثم يعيد الكورال (الغناء الجماعي) أداء هذا المطلع،

وبعدها يكرر الملا الدوب بدخوله منفرداً ويتزامن ذلك في نفس الوقت أداء الكورال الموُقع بقول "الله .. حي" .

   وبكل أسف بدأ فن المالد بالضمور تدريجياً لحظة انتشار المد المديني السلفي في الكويت منذ سبعينيات القرن العشرين، حتى اندثر، واقتصر الصوفيون على إنشاد بعض المدائح الدينية بشكل طفيف وغير علني في مجالسهم الخاصة .

الفن القادري

   يعتبر ايقاع القادري من الايقاعات الكويتية الأصلية ذات الطابع الديني الصوفي والذي نشأ قديماً منذ مئات السنين كنوع من الضروب الايقاعية التي تستخدم مع القصائد الدينية والمديح ... الخ، وتأدية رقصة محتشمة يميل فيها الرأس والكتف مع توقيع هذه التركيبة الايقاعية.

     وهناك نوعان من فن القادري وهما: القادري الرفاعي والقادري البحري، وكلاهما يتناولان نفس المادة الشعرية الصوفية، ويختلفان في الايقاع الذي يعتبر أساس الأغنية الكويتية.

   فإيقاع القادري الرفاعي هو ايقاع رباعي يتكون من الطبل البحري الذي يضرب 4 ضربات دم (زمن نوار) متتالية (دم دم دم دم)، مع مصاحبة طبل الطار الذي يضرب (دم دم دم دم تك تك - دم دم دم دم تك سكتة)

 

بحيث تتزامن تك الطار الاولى والثالثة ودم الطبل البحري الثانية والرابعة .

   وستتضح طبيعة الايقاع عند سماع هذه القادرية الرفاعية "بسم الله" - لحن من التراث، أداء الفنان الشعبي عبدالوهاب الراشد، واللحن عبارة عن جملة لحنية بسيطة من مقام الحجاز تبدأ من النغمة الرابعة حتى تنزل بشكل بطيء الى القرار، مجرد اربعة نغمات من السلم المقامي ويتم تناولها بطريقة صوفية.

   أما القادري البحري (ميزان 12/8) فيتكون من الطبل البحري الذي يعزف أساس الوزن وعدد 2 من طبل الطار بحيث يُعزف على كل منهما خلاف الآخر بطريقة زخرفية بتفعيلة معينة، وبهذا المزيج الرائع تظهر لنا النفحة الصوفية في هذا الايقاع الوقور .

 مثال ذلك قادرية "نادى المنادي" من أداء عبدالوهاب الراشد، لحن من التراث الذي يتكون من جملة لحنية واحدة في غاية البساطة، من مقام الراست:

"نادى المنادى بالحرم .. يا سيادي قوموا انزلوا"

وتكرر الجملة اللحنية على نفس النغمات باختلاف الكلمات، وتجدر الإشارة انه برغم من بساطة الجملة اللحنية التي لا تتجاوز اربعة درجات من مقام الراست إلا ان لها طابع شعبي معبر عن روحه العميقة المتصوفة وتلك هي القيمة الجمالية في العمل الفني.

المصدر موقع فهد الأحمد الألكتروني