ذكريات الموسيقي الفلسطيني واصف جوهرية عن القدس وأهلها

. مقالات

زياد العناني

 

تعتبر مذكرات الموسيقي الفلسطيني واصف جوهرية الملحن والعازف والمؤرخ المقدسي الذي ولد في العام 1897 في القدس وتوفي في بيروت عام 1973 من المذكرات النادرة والمهمة التي صدرت عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية كسلسلة أولى تمتد في جميع أجزائها على مدى ستين عاما 1904 - 1968، وقد صدر أيضا الجزء الثاني منها عن المؤسسة نفسها، بعنوان " القدس الانتدابية في المذكرات الجوهرية 1918 – 1948.  وتتناول المذكرات مرحلة حساسة من تاريخ القدس ويوميات أهلها خلال نهاية الحكم العثماني 1904-1917، فهو سفر مميز يشمل مقدمتين شاملتين للباحثين نصار وتماري، وملاحظات المؤلف الموسيقي واصف جوهرية اليومية عن الحياة في القدس. وجغرافيتها وناسها وضواحيها وما كان يقام فيها من احتفالات دينية وعلمانية وأحداث مثيرة مثل دخول الكهرباء والسيارة والفونوغراف والسينماتوغراف إلى المدينة لأول مرة، واستقبال الأهالي لأول طائرة عثمانية تحط في المدينة، وتوثق أيضا لحياة المؤلف كضابط في الجيش العثماني وخدمته في البحر الميت وعلاقته بشخصيات بارزة من شخصيات القدس مثل حسين الحسيني.  ويشمل الكتاب أيضا عشرات الصور التاريخية من المجموعة الجوهرية، وملاحق هامة توثق للنظام الاجتماعي والاقتصادي في المدينة المقدسة خلال تلك الفترة، كما يحتوي على اسطوانة موسيقية " سي دي " تحوي قطعا موسيقية من الفترة العثمانية من أداء جوهرية نفسه.

يقول أستاذ التاريخ والمدير المشارك في مؤسسة الدراسات المقدسية عصام نصار في مقدمته لهذه  المذكرات " بأن مذكرات واصف جوهرية تشكل دليلا على أن المذكرات الشخصية من الممكن أن تكون أدلة ومصادر لدراسة الحياة الاجتماعية في زمان ومكان كتابتها، ولأن جوهرية كاتب بارع وملاحظ دقيق وكون الأحداث التي يصفها ويدونها تدور في مدينة القدس في مرحلة طواها النسيان ولم يكتب حولها كثيرا أو أن ما كتب عنها يتعلق فقط بالأحداث السياسية الجسيمة وليس بأحوال عامة الناس إبان المراحل المؤرخ لها تشكل مذكراته وثيقة هامة دون أدنى شك، مما يزيد من أهمية الوثيقة الجوهرية هذه كونها تصف الحياة في المدينة في مرحلة غالبا ما يكتب تاريخها بطريقة انتقائية يقصد منها إلغاء ومحو ذاكرة المشهد القدسي الاجتماعي لتلك الفترة وتهميش دور أبناء وسكان المدينة الأصليين أمثال واصف جوهرية في صنع تاريخ المدينة، ....  تقع قيمة الوثيقة الجوهرية في كون كاتبها شاهدا على عصره أكثر منه مشاركا فاعلا في أحداثه، وكون المذكرات تدون لأحداث خاصة أحيانا تتعلق بعائلة الكاتب أو بأصدقائه أو معارفه الآخرين لا يقلل من أهميتها شيئا، فواصف يصف عبر شبكة علاقاته عملية دخول مظاهر الحداثة إلى المدينة مثل وصفه لدخول الكهرباء، ودخول السيارة الأولى إليها، وكذلك الأمر وهو يؤرخ لتبعات دخول أدوات وأجهزة حديثة مثل بابور البريموس أو الجرامافون واصفا لقارئه الطريقة التي غير استعمال هذه الأدوات والابتكارات حياة الناس والمجتمع المقدسي في حينه، زد على ذلك أن جوهرية بوصفه موسيقيا مقدسيا يقدم لنا صورة حية عن الأجواء الموسيقية والفنية في القدس في زمنه مؤرخا لمن كان له شأن آنذاك في الحقل الموسيقي، وهو أيضا يعطينا صورة مختلفة عما نعرفه اليوم لنوعية العلاقات ما بين أبناء الأديان المختلفة والطوائف في المدينة، كما تزودنا المذكرات بصور عدة تصف أفراح المقدسيين وعادات لهوهم عبر وصف أجواء المقاهي والسهرات الليلية، وبذات الوقت تصف لنا أتراح الناس والتقاليد المرتبطة بالوفاة خاصة في الأجزاء التي يصف بها واصف وفاة أبيه أو وفاة رئيس البلدية سليم الحسيني، وكذلك فإن المذكرات تصف لنا أيضا علاقة أبناء القدس بالمسؤولين المحليين والعثمانيين وعلاقة السلطات المحلية ممثلة بالبلدية بالسلطة المركزية، أما على المستوى الأعم والأكبر فإن جوهرية يعطينا وصفا لأوضاع الجيش العثماني إبان الحرب العالمية الأولى، راسما تفصيلات لتنقلاته مع أبيه ومن ثم وحده بين المدن والقرى المختلفة من خلال علاقته مع عائلته وعائلة الحسيني في القدس، والمذكرات أيضا تصف نوعية العلاقات ما بين أبناء القدس المسلمين والمسيحيين واليهود، وهنا ينقل لنا جوهرية صورة بهذا الإطار لم نعهد سماعها منذ فترة طويلة حول الانفتاح الديني في المدينة ..."

أما أستاذ علم الاجتماع ومدير مؤسسة الدراسات المقدسية سليم تماري فيرى في  مقدمته المطولة والمعمقة للمذكرات بأن" القدس العثمانية قبل الحرب العظمى كما نراها في الرؤية الجوهرية لها تشكل وعاء طائفيا محليا في صراع أحيانا، وفي تآلف أحيانا أخرى مع التيار العروبي القومي ومع النهضة الوطنية الفلسطينية في مجابهة الحركة الصهيونية، وقد ساهمت المذكرات الجوهرية برأيي في إعادة النظر في هذا الخطاب السائد حول الهوية الفلسطينية في مجالين: الأول يتعلق بالافتراضات حول طبيعة الهوية الذاتية للمقدسيين والشوام في هذه الفترة الانتقالية الهامة، وثانيا في تحديد علاقة الوجدان الديني الشعبي بتبلور وتكوين الهوية الوطنية التي تتجاوز النطاق المحلي .."

وبخصوص شخصية جوهرية ونسبه وتفاصيل عائلته وموقعها من العائلات المقدسية يقول تماري "كان واصف كمؤرخ وموسيقي عصامي ثقف نفسه بنفسه يمتلك ذاكرة فوتوغرافية مكنته من تذكر الأحداث لا الدرامية منها فحسب (دخول جمال باشا، ولاحقا اللورد اللنبي إلى القدس)، بل نقل نشوة التفاصيل المثيرة للحياة اليومية، ومن خلال مرافقته لوالده – المحامي المدرب الذي عمل مديرا لأطيان سليم أفندي الحسيني الريفية في قرية دير عمرو ومحيطها – استطاع أن يلحظ مباشرة الروابط القائمة بين أرستقراطية القدس الإقطاعية والفلاحين سكان القرى المحيطة، وعندما كبر واصف في ظل والده استطاع أن يصوغ لنفسه شهرة محلية بصفته عازف عود وملحنا من الدرجة الأولى. بينما كان موسيقياً في قصور أعيان القدس، سجل بكثير من الظرف والسخرية النسيج الاجتماعي لحياة فقراء المدينة وأغنيائها، والنتيجة هي صورة حميمية لحداثة القدس العثمانية في اللحظة نفسها التي كانت فيها الصهيونية على وشك الصدام بالحركة الوطنية الفلسطينية الناشئة.  ويروي جوهرية قصة دخول الفونوغراف والسينما مقاهي المدينة عام، والدهشة التي مر بها عندما رأى الرسوم المتحركة أول مرة في المسكوبية، وفي سنة 1912 رأى أول عربة من دون حصان ( سيارة فورد يسوقها السيد فستر من الكولونية الأميركية ) في متنزه البلدية بالقرب من شارع يافا، وفي صيف 1914 ركب حمارا مع والده إلى البقعة في ضاحية القدس الجنوبية، ليشاهد هبوط طائرة عسكرية عثمانية فيقول " كانت المدينة مقفرة من سكانها في يوم الصيف الحار ذاك، وجمع البائعون المتجولون ثروة من بيع الماء ...، ولسوء الحظ تحطمت الطائرة في سماء "طبرية" وقتل طياراها التركيان، الضابطان نوري وإسماعيل".

وقد ألف واصف مرثية خاصة على شرفهما والتي، كما يدعي، غنيت في جميع أنحاء البلد، وفي خريف ذلك العام استطاع أن يتواجد في جنوب القدس ليرى هبوط أول طائرة في البقعة الفوقا يقودها ضابطان ألماني وتركي ...، وكما هو الحال في كتابات خليل السكاكيني المتمردة على الدين في عهد الانتداب، وخصوصا في ( كذا أنا يا دنيا) فإن الكثير من نوادر جوهرية يتحدى المحرمات الاجتماعية والدينية بشكل لا نستطيع تصوره في أجواء التفكير السائدة اليوم، والقليل منها يمكن نشره في الوقت الحاضر، إما لأنه قد يستدعي دعاوى التشهير، وإما لأنه يتبنى موقفا قد يفسر خطأ بأنه مثير للمشاعر الدينية ...، يرجع واصف بداية مهنته الموسيقية إلى "سنة العواصف الثلجية السبع" وهو نمط مألوف لحساب الأحداث في تلك الأيام، ولا يزال منتشرا في الأوساط الشعبية، والتي يقدر لاحقا أنها كانت عام 1906 أو 1907، وكان ابن تسع سنوات، ... حيث كان بيت جوهرية المحيط المثالي لمواهبه الموسيقية المتفتحة، فأفراد العائلة تقريبا إما كانوا يعزفون وإما يغنون، وإما يستمتعون بالموسيقى الجيدة، وكان أبوه أحد المقدسيين القلة ممن اقتنوا فونوغراف "ماسترز فويس"، وكان لدى آل جوهرية عدد من التسجيلات المبكرة لمغنين مصريين بارزين مثل: الشيخ المنيلاوي، وسلامة حجازي، وكان والده يشجع أبناءه على الغناء المرافق لهذه التسجيلات.

ويبدو الباحث سليم تماري في مقدمته التحليلية متناولا تطور حياة واصف جوهرية وبنيته الاجتماعية وتعليمه وتعريفه بالواقع من حوله، وأشهر أساتذته والوظائف التي شغلها لا سيما في الجيش العثماني، وعلاقته بآل الحسيني وغير ذلك مما لا يتسع المقام هنا لإيراده مفصلا، بل مر عليه مرور الكرام، ولمن رغب بالاستزادة فعليه بالكتاب كاملا.  على كل نورد هنا شيئا مما كتبه تماري عن جوهرية، ثم نمر على تقييمه وملاحظاته على كتابته، وأخيرا نورد مقتطفات من المذكرات التي تدل على قلم صاحبها وأسلوبه ولغته...

المصدر: جريدة الغد الأردنية