خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

الموسيقى العربية وعبثية التجديد في غياب القواعد

. قضية موسيقية

مما لا شك فيه أننا نمتلك إرثاً تاريخياً موسيقياً حقيقي الوجود، يمتلك أبعاده الجمالية والفلسفية، ويتمتع بقدرة هائلة على الفعل والتأثير.  وقد ظهرت هذه المقدرة في وضوح البصمات الشرقية والغربية في الكثير من المؤلفات العالمية، كما أننا نمتلك الإرث النظري التاريخي الذي يمكن أن يشكل أساسا للتطوير وإعادة الخلق والبناء.

هذا الإرث الذي بقيت الحداثة "نظرياً" قاصرة عن استيعابه، وبذلك بقيت عاجزة عن القيام به وربما يستطيع من خلاله استيعاب التطور الحاصل في شتى المجالات،  وفي غياب الثوابت القاعدية، نلحظ حالياً شيئاً من فقدان الهوية، وبالتالي سيراً إلى محاولات للبحث عن الذات من خلال الآخر "الغربي" دون مراعاة الخصوصية والتمايز في مكونات لغتنا الموسيقية.

لابد من الإشارة إلى أن الغرب قد أنجز مقولاته في مكوناته وفعالياته الموسيقية من خلال تأسيس "نظري" وقاعدي، استطاع من خلاله تجاوز الإشكالات والتباينات التي كانت قائمة حتى عصوره الوسطى، وكانت أهم إنجازاته حل معضلة السلم الموسيقي بشكل نهائي والتي حسمها من خلال اعتماد السلم المعدل، ومن ثم الاستقرار على صيغتي مقامين هما الكبير "ماجور" والصغير "مينور" فقط، وما السلالم الأخرى سوى نسخ مكررة عن هاتين الصيغتين، يمكن الوصول إليها من خلال ما يسمى تجاوزاً بالاشتقاق، حيث أن العملية تعطينا تصويراً مطابقاً تماماً للسلم الأساسي، فهي حالة تكرار شكلي وليست اشتقاقاً، فالاشتقاق يفترض فيه أن يؤدي إلى صيغ أخرى تحمل بعض التمايز عن الأصل، وبعض الملامح المختلفة، وهذا يمكن أن نراه في موسيقانا العربية، إما في الموسيقى الغربية فلا نرى ذلك إلا في تغيير درجة الأساس فقط، والتطابق الكامل فيما عدا ذلك.

ولئن كان العرب سباقين إلى وضع السلم الموسيقي وتحليله ودراسته عبر تاريخ طويل نستذكر فيه الفارابي والارموي وإخوان الصفا وغيرهم والذين تجاوزت مقولاتهم حدود الإنشاد الفلسفي الجمالي إلى جوهر علم الأصوات والأبعاد الطنينية للنغمات، وحسابات تطابقت تماماً مع ما أشارت إليه العلوم الفيزيائية الحديثة، ولكن على صعيد الناتج الكمي بقي الارتحال الذي يرتكز على الموهبة والإحساس والذوق هو الأساس وبذلك عرفت الموسيقى عند العرب بـ "فن السماع". والحالة تماثل استنباط الفلز الخام ومعالجته وفق أسس عملية محكومة بقواعد ونظريات علمية تقضي بنا إلى استخلاص النقي منه… وكم سمعنا أن الكثير من الموسيقيين العارفين، اعتمدوا على أهل الهواية والذوق، في الوقوف على بعض التحولات المقامية، والتي وصلوا إليها بحسهم الفطري، واذكر انه وردت أكثر من إشارة في أكثر من بحث عن فناني "حمص في سورية" أن الموسيقار الحلبي المرحوم عمر البطش وبما كان يحمله من موهبة ودراية واسعة بالموسيقى بمجاليها العملي والنظري، زار حمص أكثر من مرة والتقى فناناً حمصياً من اصل غجري ليسمع منه، وليستفيد من تنقلاته المقامية والنغمية، والتي كان يعتمد في ادائها على حسه الفطري.

العولمة والموسيقى وضمن إطار تحقيق البنية القاعدية والنظرية للموسيقى الشرقية تنطلق أحيانا بعض الأصوات التي تطرح بعض الآراء كان أخرها ما دعا إليه الباحث الموسيقى التونسي الدكتور محمود قطاط من خلال محاضرة بعنوان "آليات مستقبلية للتوثيق الموسيقي" والذي يشير من خلالها إلى ضرورة إدخال العولمة كمادة تدريسية في المعاهد الموسيقية، هذه الدعوة التي تثير الكثير من التساؤلات والآراء المتباينة حول العولمة ذاتها، وموقع الهوية القومية فيها.  

ولكن ما أحب الوقوف عنده هو بحث بعنوان "نظرية الاجناس المتداخلة" كان قد قدم إلى المؤتمر الدولي للموسيقى العربية الذي عقد في القاهرة. قدمه الأستاذ الباحث سعد الله آغا القلعة. سعى الباحث من خلال طرحه للبحث الى وضع نظرية جديدة لتطوير الأساس المقامي للموسيقى العربية والسؤال الذي لابد من طرحه هو: هل تم تحديد الأساس المقامي للموسيقى العربية من خلال نظرية ما كي يصار إلى تطويرها؟… لقد بنى الباحث طرحه باعتماد أمرين هما:

أولاً: الغاء ارتباط المساحة الصوتية للمقام بامكانات الصوت المؤدي، وربط المساحة الصوتية بأداء الآلات العربية. وهنا لا اعرف كيف تم الفصل في هذا الأمر بين الصوت المؤدي والآلة، لان المقام أصلا ليس مرتبطاً باحدهما، وإنما يرتبط بفعل فيزيائي صوتي "اهتزازي" فهو نغمات محددة بعدد أساسي قابل للتكرار سواء في الارتفاع أو الانخفاض، "الحدة أو الغلظة" وبما يغطي جميع الأصوات التي يمكن إصدارها بغض النظر عن امكانات الآلات المتفاوتة الامكانات في الاداء "من حيث المساحة الصوتية".

ثانياً: تشكيل المقام المفتوح في تركيب ذوقي تقبله الأذن العربية، مع عدم تحديد الأجناس الداخلة في التركيب. وبالنسبة للتركيبة المقامية وكما هو معروف وفق الأصول التاريخية، أن لكل مقام شخصيته وهويته، والتي تتحدد من خلال مكوناته النغمية، والتي تجعلنا لا نملك القدرة على التحرر من مسألة الاجناس، لاننا من خلال تحديد الاجناس نحدد الهوية المقامية، المقام المفتوح. وإذا كان المقصود من كلمة المقام "المفتوح" أن في تركيبه تدخل مجمل الاجناس التي يمكن ان نقف عندها نظرياً والتي يمكن ان تتشكل من درجات المقام الصوتية، فهذا الأمر يفتقر إلى الدقة عملياً.  فمثلاً لو أخذنا مقام "الراست" واردنا تناوله وفق هذه النظرية التي يطرحها البحث لوجدنا فيه أربعة أجناس هي: "جنس راست على الراست ــ جنس بياتي على الدوكاه ـــ عقد سيكاه على السيكاه ـــ جنس راست على النوا".

ولكن سير المقام لا يوضح لنا اي ملمح لجنس البياتي او عقد السيكاه، بينما يبدو واضحاً جنس الراست على الراست، وجنس الراست على النوا، وهما الجنسان المكونان لمقام الراست وبالطبع هذا الكلام ينطبق على دراسة المقام نظرياً وليس على معالجته عملياً من خلال التأليف الذي يمكن إبراز ما نشاء من النغمات والاجناس فيه، وبما تقبله الاذن.

قوننة الموسيقى العربية وعلمنتها لا تتم من خلال التماثل مع الغرب، بل من خلال ما تحمله من تمايز، ولا يضيرنا في ذلك اعتماد ادوات ووسائل البحث الغربية، مع مراعاة النقاط التالية والانطلاق منها:

-       مراعاة الحالة النغمية القائمة والموروثة التي تشكل الاساس الذي تبنى عليه أي دراسة.

-       التسليم بالتمايز الحسي والادراك الجمالي على امتداد الساحة العربية مع التأكيد على نوعية التذوق وليس على درجته.

-       ضبط المقامات العربية بما يكفل تقديمها بشكل موثق، ومن ثم دراسة حالات التماثل والتشابه الكثيرة.

-       عدم اعتبار اي دراسة كقيمة مطلقة لا تقبل المساس والتغيير، فكثيرة هي المقامات التي تجاوزها الزمن ولم تعد متداولة وبقيت قيمتها في تاريخيتها.

-       ولتجنب الوقوع في المطبات، ولاجتثات الزوائد والاعمال المكررة يجب دراسة كل مقام اساسي بتحديد درجاتة الاساسية التي تشكل الحالة البدئية له، والتي تحمل الخصوصية المطلقة مثل: درجة الاساس، درجات الركوز اثناء سير المقام، الابعاد… وعدم اعتماد التحولات الطارئة عليه بل اعتبارها تنويعاً وتلويناً للمقام الاصلي.

وفي الختام، فان المطلوب هو صياغة نظرية لوضع موسيقي قائم ومن ثم يصبح التجديد محكوماً بضرورات التطور التي تفرض نفسها، وبما تستوعب مجمل القيم السائدة.

المصدر: موقع تيارات الألكتروني