خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

الموسيقى العربية في أزمة

. قضية موسيقية

الأسعد العرفاوي


ماذا نفعل بموسيقانا القديمة؟ هل نتركها؟ هل نسمعها؟ هل نعيد تقديمها؟ هل يجوز تأليف موسيقى جديدة على القوالب القديمة؟ هل نتجاوز كل ما هو قديم ونتجه إلى الجديد فقط؟ هل إحياء التراث الموسيقي مجرد استعادة ذكريات؟ هل يفيد القديم في صنع الجديد؟ هل تعاني الموسيقى العربية من حالة إفلاس؟ وهل من المرتقب أن تحدث ثورة في هذه الموسيقى تغيّر قواعدها تغييرا عميقا؟

 

الموسيقى من أرقى وسائل التعبير عن الفرد والمجموعة والشعوب والأمم, وأمة دون تعبير هي أمة خرساء متحجرة.  وقد أصبح من الضروري البحث في أعماق كل التساؤلات التي توصلنا بالتأكيد إلى حقيقة الأزمة في الموسيقى العربية.  وهذا التدهور والركود الذي تشهده الموسيقى العربية ساهم في تغريب السامع العربي وعزوفه عن استهلاك الموسيقى العربية التي ظلت في نفس الدرجة التي شهدتها خلال عصرها الذهبي، زمن الموصلي وزرياب, بل إنها تراجعت عمّا كانت عليه من طرب وإتقان وإقبال وتطور, بينما موسيقى الشعوب الأخرى ما تزال تتطور وتتقدم وتزدهر وتتجدد مع جماهيرها وتجددها وتكتسح وتفرض نفسها على كل الشعوب.

 

ربما تعود مسؤولية هذا الجمود والوهن إلى الجيل الموسيقي الحالي، لكنعند التمعن في أثر الحركات الفنية على الناس نلاحظ أغلب الجماهير آنية وليست وفية, بمعنى أن هذه الجماهير تكتشف الجديد اليوم وترميه في اليوم الآخر وهو الحال في عصرنا هذا، فإن أغلب الأغاني الأكثر انتشارا في العالم العربي لا تستطيع أن تعيش أكثر من موسم على أقصى تقدير حتى تصبح في طي النسيان, لكن هذا الجمهور يحب أن يشعر بأن هناك شيئا جديدا يقدم إليه ويود أن يكون في نفس الوقت قريبا من نفسه وشعوره وإحساسه أي مرتبطاً بذوقه الموسيقي الخاص الذي شب عليه ليشعره بانتمائه، وبالتالي فإن أي عمل جديد يبعد عن الهوية الموسيقية يفقده جمهوره بسرعة، وهذا واضح في الأعمال الحالية أشد الوضوح.


لو أمعنا النظر في الأخطاء التي كان لها التأثير المتدرج إلى ما آلت إليه أحوال الموسيقى لوجدنا أن الإعلام هو من الأسباب الرئيسية والمحورية في التأثير السلبي على موسيقانا، إما لجهل الإعلاميين القائمين على الموسيقى وعدم الكفاءة العلمية في هذا الاختصاص، وإما لأسباب تجارية بحتة كتقديم كل ما استمعوا له حديثا دون وعي ولا غربلة ولا مسؤولية للتظاهر بالحداثة وشد المتفرج لمشاهدة إشهار عن «الطماطم» بتركيبتها السحرية فوق الفنية لملء جيوب المصنعين الأثرياء ... ثم أن موجة إعادة تسجيل أغاني التراث بأصوات لفنانين جدد ساهمت في مسح الذاكرة الموسيقية التي هي الأرضية الداعمة لإنتاج فن متطور وقادر على الانتشار والتأثير في الحضارات والشعوب الأخرى ... هذا إضافة إلى العزوف عن تقديم الأغاني القديمة في المهرجانات والحفلات الخاصة الأمر الذي يشكل السبب المباشر في المزيد من طمس الهوية الموسيقية ... وغيرها من الأسباب المتعددة المؤثرة على الموسيقى والتي لا عد ولا تحصى.

    

أما إذا نظرنا إلى ما يحدث في موسيقى الأمم الغربية فنجد خطين متوازيين، القديم والحديث، الموسيقى القديمة التي بدأت منذ خمسة قرون ما زالت مزدهرة، والحديثة تبحث عن الإبداع  وتحاول أن تتفوق لتكسب أرضا جديدة وجماهير جديدة وكأنها تمهد للغزو الميداني أو العسكري الذي لابدّ أن يسبقه الغزو الثقافي فلم تزل موسيقى باخ وموتسات وهايدن وبيتهوفن وفاغنر وشوبان وبرامز وتشايكوفسكي وغيرهم تسيطر على الذوق العام رغم أنه مضى عليها مئات السنين، وما زلنا نشهد شركات الإنتاج تقدمها وتتنافس على احتكارها, وما زالت حفلاتها تجذب الجماهير الذين يحجزون المقاعد قبل موعد العرض بشهور، وما زالت أعمال هؤلاء العمالقة تدرّس في المعاهد والأكاديميات وتقدمها الفرق الكبرى في جميع العواصم بما فيها العربية, فإن هذه الموسيقى لهؤلاء العظماء ليست أغاني ولا أهازيج إنما هي عمل وإبداع إنساني علمي منظم استطاع أن يتفوق على الزمان والمكان وعلى ثقافات وأيديولوجيات بل دعونا نقول إنها موسيقى عابرة للقارات فيكفي أن تكتب اسم واحد من هؤلاء الموسيقيين على أي محرك بحث على الأنترنت لتظهر مئات الموضوعات عن الاسم الذي اخترته من هؤلاء ألعمالقة، وسيظل الحال كذلك لدى هذه الشعوب لأن لها قناعة بأن هذا التراث جدير بالحب والاحترام.  وتبقى الموسيقى العربية على حال من الركود والتخلف عن بقية الشعوب إلى أن يأتي من يؤمن بها وبأن التراث هو ركيزة الإبداع والنهوض الثقافي.