خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

الموسيقى العربية المعاصرة.. استنباط الحداثة

. قضية موسيقية

علي الأحمد

من حق الجيل الحالي أن يرسم حدوداً ممتدة لطقوس الاستماع والتلقي، وأن يقفز إلى حدود التطرف والفوضى في تبنيه لتجارب موسيقية وغنائية تعكس آماله وطموحاته الجامحة؛ وهذا حقه ولا اعتراض عليه.‏ لكن ليس من حقه أبداً أن يساهم بقصد أو عن غير قصد في محو معالم الهوية الموسيقية العربية وطمسها بحجة التجديد ودخول متاهة الحداثة والعولمة. كما من حقه أن يكتب موسيقاه التي تلائم أفكاره ورؤيته لكن ليس من حقه أن يطلق عليها اسم موسيقى عربية، لأن الموسيقى العربية ــ وببساطة شديدة ــ تبنى ومنذ آلاف السنين على قواعد ثابتة وراسخة وتنفرد بكونها تحمل عمقاً حضارياً وثقافياً في مفردات هويتها الإبداعية، هذه المفردات التي ارتسمت عبر المنظومتين المقامية والإيقاعية وروح الارتجال بما تتميز به موسيقانا العربية بالاشتراك مع الموسيقى المشرقية عموماً، ومن هنا نقول إن أي خروج عن هذه القواعد هو خروج من مملكة الموسيقى العربية نحو بوابات الاستهلاك والسطحية التي رسمت ملامحها الموسيقى المعاصرة ذات الروح المعولمة. ونحن هنا بالطبع لا نكتب عن التجارب الموسيقية المعاصرة التي تنحو منحى آخر عماده التجريب والحداثة العقلانية والتي تتواصل بكل محبة مع القيم الموسيقية الموروثة، بل نكتب وننبه إلى خطورة إلغاء هذه القيم والقفزعلى رموزها المضيئة في سبيل أن تشيع الفوضى والتجريب الذي يقود إلى القضاء على كل ما هو مشع ونبيل في حياتنا الموسيقية المعاصرة.

يقول عازف العود(شربل روحانا) (وهو كما نعلم ينتمي إلى الجيل الموسيقي الشاب) حول هذا الموضوع:«.. إن ما أبدعه الموسيقي العربي منذ أجيال مضت لا يمكن أن يعبّر بصدق عن أفكار وأحاسيس كما كانت في الماضي القريب وتحديداً من خلال البشرف واللونغا والتحميلة والتقاسيم والمواويل والموشحات. ربما المطلوب من الموسيقي حالياً أن يستنبط أفكاراً موسيقية جديدة من ضمن المقام والقالب الموسيقي المتوارثين أو أن يضيف أبعاداً أخرى إيقاعية أو ستيريوفونية على الأعمال التراثية. ومن الملاحظ في فن التقاسيم وجوب البحث عن أفكار جديدة إذا أردنا لهذا النوع من الموسيقى أن يستمر. واعتقادي بأن الأفكار الموسيقية في الارتجالات تأتي عادة من الأغنيات والأنماط الموسيقية الرائجة في فترة معينة، والبارع في التقاسيم هو من يملك التقنية الجيدة في العزف والمعرفة الواسعة بالمقامات وكيفية التنقل من مقام إلى آخر بالإضافة إلى ثقافة موسيقية شاملة وقدرة على استنباط الأفكار الجديدة ».

وهنا لابد أن نسأل: هل الجيل الموسيقي المعاصر يحاول ولو بحدود ضيقة أن يطور ويرتقي بلغته الموسيقية عبر المعرفة الشاملة بمفردات هويته الإبداعية الموسيقية التي من المفروض أنه ينتمي إليها، شأنه في ذلك شأن أي موسيقي معاصر ينتمي إلى ثقافته وموسيقاه الخاصة. وهل حاول هذا الجيل المعاصر أن يجرب ولو قدر الإمكان أن يقرأ في تفاصيل وكنه موروثه الموسيقي قراءة جوانية تفضي إلى الانطلاق الواعد نحو بوابات المستقبل المشرعة أمامه دون وصاية أو أدلجة وأيضاً دون تقديس لهذا الموروث، ونحن هنا لا نطلب إليه ــ بالتأكيد ــ أن يكون صورة طبق الأصل عن هذا الموروث بقدر ما نطالبه بمحبة وتقدير أن يحاول كتابة موسيقاه ضمن هذه الروح الأصيلة وان يطعمها ويرفدها بألوان حداثية ومفردات جديدة توافرت له بشكل مثير في أيامنا هذه. مجدداً، ليس المطلوب إلغاء كل ما يمت إلى هذا الموروث بصلة بحجة أنه أصبح لا يلائم العصر الذي نحياه ولا يعبر عنه وبالتالي القفز عن الرمز والعالم الحضاري والثقافي الذي طبع هذا الموروث كما يحدث بشكل طبيعي في كافة موسيقات الشعوب. ورب قائل هنا إن هذه الموسيقات أيضاً تأثرت بالروح الجديدة في الكتابة الموسيقية التي وفرتها العولمة وتقنياتها ، ونقول نعم تأثرت لكنها في المقابل تحررتوبشكل من خطورة هذه الروح ولهذا جاء المد قوياً وعاصفاً لكنه لم يستطع أن يدك جدار مملكة الموروث لأنها متجذرة وراسخة في التربة والذاكرة الجمعية، وهذا ما تفتقده موسيقانا العربية مع الأسف، خاصة مع انتشار الأمية الموسيقية وغياب التربية الموسيقية المأمولة، ودور النقد الأكاديمي والإعلام العربي الرصين الذي من الممكن أن يتبنى هذه الروح الجديدة المبنية على أصول راسخة وأصيلة بما يثري الذائقة والروح والوجدان ويغني أيضاً طقوس السمع/ البصرية التي نراها اليوم مصابة بأنيميا وارتجاجات في الذاكرة والرؤية بسبب هذا المد الاستهلاكي المجاني في طرحه ورؤاه، وهو ما تلمسه العين والأذن العربيتان عبر مشاهد ممتدة تكاد لا تنتهي من الأعمال الغنائية والموسيقية المعاصرة التي تعبر وبشكل قوي عن الصراع البائس والفراغ الروحي للجيل المعاصر، مع انعدام القيم الجمالية والتعبيرية في هذه المشاهد كونها تتعارض مع النهج المؤدلج للعولمة بكافة تجلياتها وتأثيرها الواسع على قطاعات كثيرة في ثنايا المجتمع العربي الحديث. بالمقابل نرى كثيراً من التجارب الموسيقية العربية المعاصرة اللافتة في مفرداتها وألوانها المشعة تعبيرياً وجمالياً لم تأخذ حقها من الحضور في المكانات الإعلامية العربية الممتدة أرضياً وفضائياً كما لم تأخذ حقها من الكتابات النقدية التي تعيد تشكيل صياغتها روحياً ووجدانياً وبالتالي تقديم رؤى جديدة تثري عالم التلقي والاستماع الرصين بما يخدم ويرتقي بالحياة الموسيقية العربية، ونسأل من واقع هذا الحال كم هي نسبة حضور هذه التجارب المهمة والخلاقة مقارنة مع الأعمال ذات الروح الاستهلاكية المجانية التجارية الطابع التي تحاصرنا.‏

المصدر : جريدة الثورة السورية